رئيس التحرير هيئة التحرير الاعلانات والاشتراكات اتصل بنا

الاثنين - 17 كانون الاول (ديسمبر) 2018 - السنة التاسعة - العدد 2099

الجينيالوجيا والتاريخ عند نيتشة

ميشيل فوكو
كيف يمكننا تعريف العلاقة بين الجينيالوجيا، التي ننظر لها كأداة لفحص المتحدر من Herkunft والأصلي tstehung، وبين التاريخ بالمعنى التقليدي؟ طبعا يمكننا، تفحص مفهومات نيتشة المشهورة على ضوء معنى التاريخ، ولكن علينا أن ننحي هذا جانبا ونهتم بتلك الحالات التي ينظر فيها للجينيالوجيا وكأنها تاريخ حقيقي wirkliche Historie، أو مواصفاتها المتكررة بصفة "روح" تاريخية أو "إحساس". في الواقع،  إن نقد نيتشة، بدءا من ثاني تأملات دائمة، تضع الشكل التاريخي على المحك لأنه يعيد تقديم (ويفترض باستمرار) موضوعات فوق تاريخية: فتاريخ وظيفته أن يؤلف اختلافات الزمان التي تختزل في النهاية في كلية مغلقة تماما على نفسها، تاريخ يشجع دائما التعريفات الذاتية ويعزو شكلا من المصالحة  لكل الانزياحات التي تعرض لها الماضي، تاريخ كل موضوعاته، بخصوص ما سلف، تتضمن نهاية الزمان، وتطورا ناجزا وكاملا. ويجد تاريخ المؤرخ دعما له خارج الزمان، ويتظاهر أنه يؤسس أحكامه على موضوعية قيامية. وهذا ممكن فقط في حال الإيمان بالحقيقة الأبدية، خلود الروح، وطبيعة الضمير باعتبار أنه مماثل لنفسه دائما. وما أن تتمكن الجوانب الميتافزيقية من التحكم بالحس التاريخي، تستطيع الميتافيزيقا أن تثنيها باتجاه أهدافها الخاصة، وبوضعها بموازاة متطلبات العلم الموضوعي، يمكن فرض "مصريتها". ومن طرف آخر، يمكن للحس التاريخي أن يتجنب الميتافيزيقا ويكون أداة محبذة للجينيالوجيا إذا رفض الجانب المؤكد من المطلق. وبوضع ذلك بعين الاعتبار، إنه يتطابق مع حدة النظرة التي تميز وتفصل وتشتت، والقادرة على تحرير العناصر المتشعبة والهامشية – كما يحصل في المشهد المنفصل القادر على التفكيك!. والقادر على تحطيم وحدة الكائن البشري والذي من خلاله يمكنه توسيع هيمنته لتشمل أحداث ماضيه.
وهكذا يصبح المعنى التاريخي بعدا  من أبعاد التاريخ الحقيقي wirkliche Historie  لدرجة يضع بها، داخل عملية التطوير، كل شيء نعتبره خالدا في الإنسان.  ونحن نعتقد أن تلك المشاعر غير صماء، ولكن كل عاطفة، وبالأخص الأكثر نبلا والأقل اهتماما، لها تاريخ. ونحن نؤمن بالاستمرار البليد لحياة الغرائز ونتصور أنها تتواصل لتجرب قوتها بلا تمييز في الحاضر كما كانت تفعل في الماضي. ولكن معرفة التاريخ تفكك بسهولة هذه الوحدة التامة، وتصف لنا مساره المتراجع، وتموضع لحظات قوته وضعفه، وتحدد مجاله المتأرجح.  وهي تقبض، بيسر، على الاستطراد البطيء للغريزة وتلك اللحظات، التي بطيها على نفسها، تبدأ بلا توقف عملية هدم ذاتها. وفي كل الحالات نؤمن أن الجسم يستجيب لقوانين فيزيولوجية شاملة ويهرب من مؤثرات التاريخ، ولكن هذا أيضا خطأ. فالجسم له صياغة تنجم عن أنظمة متمايزة وكثيرة جدا، ويتحداه إيقاع العمل والراحة والعطل. ويتسمم بالطعام أو القيم، وبواسطة عادات الطعام أو القوانين الأخلاقية، إنه يشكل المقاومة.
إن التاريخ "الفعال" يختلف عن التاريخ التقليدي بأنه بلا صوامت. لا شيء في الإنسان – ولا حتى جسمه – يمكنه أن يكون مستقرا ويخدم مثل الأساسات التعرف على الذات أو إدراك الآخرين. والأدوات التقليدية لبناء رأي شامل عن التاريخ ولتقصي الماضي باعتبار أنه تطور مستمر وصبور يجب تفكيكه بطريقة منظمة. وبالضرورة، علينا رفض تلك الميول التي تشجع تمثيلية التعرف التي نشد بها أزرنا. فالمعرفة، حتى تحت راية التاريخ، لا تعتمد على "الاكتشاف"، وهي تستبعد عاطفيا "إعادة اكتشاف أنفسنا". ويكون التاريخ "فعالا" لدرجة يقدم بها الانقطاعات إلى كينونتنا نفسها – فهو يجزئ عواطفنا، ويطبع غرائزنا بطابع درامي، ويضاعف من جسمنا ويؤهله لموضع يكون فيه ضد نفسه.
 والتاريخ "الفعال" يحرم النفس من استقرار الحياة والطبيعة المؤكد. ولن يسمح لنفسه أن ينتقل بامتناع صامت نحو نهاية الألفية.
 وسوف يدعم أساساته التقليدية ويقطع بلا تردد استمراريته المزيفة. هذا لأن المعرفة غير موجودة للإدراك، ولكنها موجودة للقطيعة. من هذه الملاحظات، يمكننا رؤية الصفات الخاصة للمعنى التاريخي كما كان يفهمه نيتشة – المعنى الذي يعارض التاريخ الفعال wirkliche Historie بالتاريخ التقليدي. فالسابق ينقل العلاقة الموجودة طبيعيا بين انطلاقة حادث وضرورة استمراره. أما التقليد التاريخي تماما (الثيولوجي أو العقلي) فيهدف لتذويب الحادث الفردي في استمرارية مثالية – بشكل حركة شاملة أو سيرورة طبيعية. عموما، التاريخ "الفعال" يتعامل مع الحوادث بمفردات صفاتها الأكثر خصوصية وتفردا، وبخطابها الحدي. وعليه، الحادث ليس قرارا، ولا معاهدة، أو مجال، أو معركة، ولكنه انعطافة  في علاقة القوى بعضها ببعض. ضغط القوة، جاهزية المفردات التي ترتد ضد من استعملها في السابق، وسيطرة ضعيفة تسمم نفسها كلما تطورت ببطء، ودخول "الآخر" المقنع. والقوى النشيطة في التاريخ غير محكومة بالقدر أو ميكانيزمات تعليماتية، ولكنها تستجيب لمشكلات خطرة. وهي لا تتكلم بأشكال متتالية بقصد أولي وجاذبيتها ليست ذات نتائج، فهي دائما تتظاهر لنا عبر عشوائية مفردة لوقوع الحوادث. وإن عكس العالم المسيحي، ينسج كلية بعنكبوت إلهي، وهو مختلف عن عالم الإغريق، وموزع بين طور الإرادة والحماقات الكونية العظيمة، ويعرف عالم التاريخ الفعال مملكة واحدة حسب، من غير مداخلات أو سبب نهائي، لأن هناك يد حديدية مرنة واحدة هي الضرورة وهي التي تهز علبة أحجار النرد التي تصنع الدفة". 
الصدفة ليست ببساطة في رسم الأشياء، ولكنها في رفع المخاطر في كل محاولة للتحكم بالصدفة من خلال الرغبة بالسلطة، ونهوض خطر صدفة أقسى. والعالم الذي نعرف ليس هو التضاريس البسيطة النهائية حيث يتم اختزال الأحداث لتحديد صفاتها الجوهرية، ومعناها الأخير، أو قيمتها الأولية والحاسمة. وعلى العكس، إنها إنتاج لأحداث متشابكة. وإذا ظهرت " كعقدة كبيرة، ولها معنى عميق وشامل"، هذا لأنها بدأت وتستمر بوجودها السري من خلال "عائل للأخطاء والأوهام". نحن نريد من المؤرخين التأكيد على قناعاتنا التي يوجد فيها الحاضر فوق مقاصد عميقة وضرورات بكماء. ولكن المعنى الحقيقي للتاريخ يؤكد على وجودنا بين حوادث مفقودة لا تحصى، بلا علامة واضحة أو نقطة مرجعية. والتاريخ الفعال يمكنه باعتماده على الميتافيزيقا، أن يعكس علاقة يؤسس بها للتاريخ التقليدي، وتكون بين  القرب والبعد. 
الثاني للتأمل بالمسافات والمرتفعات، الفترات النبيلة، الأشكال الشاهقة، الأفكار التجريدية. والأفراد الأكثر نقاء. ويحقق ذلك بالاقتراب قدر الإمكان، وموضعة نفسه عند قاعدة قمم الجبل، وفي مخاطر تبني موضوعات مشهورة عن الضفادع. التاريخ الفعال، من جهة أخرى، يختصر رؤيته لتلك الأشياء عن مقربة منها – الجسم، والجهاز العصبي، والتغذية، والهضم، والطاقة. ويكشف عن فترات الانحطاط. وإذا خاطر مع الحقب الفوقية، فهذا للاشتباه – دون أسى ولكن ببهجة – أنه يوجد اضطراب معيب وبربري. وهي لا تخاف من النظر للأسفل، ما دام من الواضح أنها تنظر من الأعلى وتهبط لتقبض على الجوانب المختلفة، لتنفي التشتت والفروقات، ولتترك الأشياء مستقرة في أبعادها الحقيقية وكثافتها. إنها تعكس تجربة المؤرخين المتشائمين، والتظاهر أنهم يفحصون أشياء بعيدة عنهم. والأسلوب المرتبك الذي يقاربون به هذه المسافة الحافلة بالوعود (مثل ميتافيزيقي يدعي وجود حياة بعد الموت، ويقف على مسافة من هذا العالم، وكأنه وعد بجائزة). التاريخ الفعال يدرس الأقرب، ولكن بعد تخليصه مما يمتلك قطعيا، وليستوعبه من مسافة (مقاربة شبيهة لطبيب ينظر عن مقربة، ويعمد لتشخيص وتحديد اختلافه).   
ترجمة "العالم"

جميع الحقوق محفوظة لجريدة العالم , برمجة واستضافة وتصميم ويب اكاديمي