رئيس التحرير هيئة التحرير الاعلانات والاشتراكات اتصل بنا

الثلاثاء - 20 اب( اغسطس ) 2019 - السنة التاسعة - العدد 2257

كرّموا نادية وسكتوا عن جلادها!

الأربعاء - 12 كانون الاول (ديسمبر) 2018

مازن الزيدي

احتفل العالم والعراق بضمنه مؤخرا بمنح الايزيدية نادية مراد جائزة نوبل للسلام، وبذلك تكون اول عراقية تحصل على اشهر جائزة عالمية متفوقة بذلك على الراحلة زها حديد حتى!

لكن ما نغّص الفرحة بالجائزة انها جاءت عن فئة ضحايا العنف الجنسي حول العالم وليس لكون نادية احدى ضحايا الفكر الوهابي التكفيري المتطرف، الذي يقف وراء نشوئه وتناميه وتغوّله كلٌّ من تركي الفيصل مدير المخابرات السعودية بالاشتراك مع زبيغنو برجنسكي مستشار الأمن القومي الأميركي في عهد جيمي كارتر.

لم تشأ الاكاديمية السويدية، الجهة المانحة للجائزة، أن تكرّم الفتاة الايزدية إلاّ بما يذكرها ويذكرنا معها بمأساتها ومأساتنا الإنسانية، وكأن الجريمة حدثت في سياق الصراعات الاثنية التي تنشب بين قبائل افريقيا والتي استحق معها الطبيب الكنغولي دينيس موكويغي، المشهور بمعالجة ضحايا الاغتصاب، الجائزة مناصفة مع نادية.

لم تكن نادية مراد برمزيتها وحجم الفاجعة الذي تعرض له أهلها في سنجار وكوجو، اقل شأناً من السادات وبيغن او ياسر عرفات وبيريز، ولا كوفي انان او أوباما، ولا حتى غورباتشوف وال غور ومانديلا.

لقد كانت نادية مراد رمزاً لفداحة الوحشية التي شارك الغرب في اطلاقها على العالم في لحظة جنون نووي هستيري ساد الحرب الباردة وراح ضحيته ملايين البشر.

فالسبيّة الايزيدية قدمت نموذجاً نادراً عن المقاومة لأعتى شيطان عرفه تاريخ البشرية المعاصر، اعني "داعش"، الذي يمثّل عصارة الفكر الدموي بعد النازية.

للأسف، اغفلت اللجنة ورعاتها هذا الجانب المشرق لدى نادية، بما يحمل من معاني مقدسة واخلاقية عالية، مفضّلة وضعها في خانة ضيّقة عكّرت عليها وعلينا الفرحة. حتى لم تحصل ايقونة المقاومة الايزيدية ضد داعش على التكريم الذي حصلت عليه ملالا يوسف زي التي منحت الجائزة "بشكل مطلق" رغم انها كانت واحدة من ضحايا العنف الاجتماعي؛ الذي قد نجد له آلاف المصاديق في الشرق والغرب.

كانت الازدواجية واضحة وصارخة في التعامل مع نادية وشقيقاتها الايزيديات اللائي ما زال الالاف منهن يقبع في اسر الدواعش حتى اليوم.

لم يكلّف الراعون للجائزة والمحتفلون بمنحها لنادية أنفسهم للبحث والتقصي عن جذور الفكر المتطرف الذي استعبد اكثر من أربعة آلاف ايزيدية في صيف ٢٠١٤. ولم يحاول المصفقون لدمعة نادية مراد، وهي تتسلم جائزتها، تسليط الضوء على بؤرة الإرهاب التي انتجت كل هذا التوحش في حقبة يقال انها حقوق الانسان والكرامة الإنسانية. كان بالإمكان ان تخصص اللجنة تمويلا متواضعاً لدراسة هذا الفكر المتطرف ومكافحته ثم تجريمه وحظره عالمياً.

لكنها الازدواجية المعهودة والازمة الأخلاقية الأزلية التي تعزل الكوارث عن مسبباتها، وتعامل الضحية والجلاد بضمير مخدّر!

وللمصادفة المحضة فإن جائزة نادية مراد تزامنت مع المجزرة المروعة على الطريقة الداعشية ذاتها التي تعرض لها الصحفي السعودي جمال خاشقجي؛ الذي كان وللمفارقة يحتفي بشكل فجّ بطقوس حزّ الرؤوس التي كانت تمارسها داعش في سنجار وحلب والموصل.

المفارقة ذاتها جعلت من نادية وخاشقجي ضحيتين لجلاد واحد وهو الفكر الوهابي التكفيري المدعوم والمسكوت عن جرائمه في العراق واليمن وسوريا بفضل مليارات البترول التي يدفعها للعالم "المتحضر".

إلاّ أن الفرق يكمن في ان حفيدة لالش كانت ضحية محضة، بينما كان الثاني ضحية لتوحش شارك سيده وعرابه تركي الفيصل بانتاجه، وصفق هو لغزواته مبشراً بصليل صوارمه التي احمرّت بدماء الايزيديين والمسيحيين وسواهم.

لقد تحمّس الكثير من النخب العربية والعراقية فضلاً عن الغربية لحصول نادية على جائزة نوبل، لكنهم في الوقت ذاته احجموا واغمضوا عيونهم عن الرحم الذي انجب قبائل الذباحين والقتلة في القرن الحادي والعشرين.

لا بل ان بعض الممسوخين فكرياً واخلاقياً حوّل نوبل الايزيدية مناسبة لتجريم الإسلام بكل فرقه وطوائفه وشعوبه من دون تمييز او استثناء. لكنه وللمفارقة ايضاً ابتلع لسانه عن الإشارة الى الحبل السرّي الذي حول بيوت الله الى مسالخ، واباح لنفسه تمزيق تاريخ عميق من التعايش والتثاقف والحضارة في الشرق الأوسط. هكذا كرّموا الضحية وهكذا سكتوا عن جلاّدها!

* المقالة نشرت بتاريخ 6 تشرين الثاني 2018، ويعاد نشرها لمناسبة تسلّم نادية مراد جائزة نوبل يوم امس.

جميع الحقوق محفوظة لجريدة العالم , برمجة واستضافة وتصميم ويب اكاديمي