رئيس التحرير هيئة التحرير الاعلانات والاشتراكات اتصل بنا

الأربعاء - 20 اذار( مارس ) 2019 - السنة التاسعة - العدد 2167

"قادسية" صلاح أبو سيف: أكثر فيلم مغمور في تاريخ السينما العربية

الأحد - 24 شباط ( فبراير ) 2019

(الجزء الثالث)

مالك خوري*

من المعروف ان السينما الأميركية كانت وراء تطوير النوع التاريخي للسينما وهي التي ساهمت في وضع أسس تحويله الى واحد من أكثر الأنواع المطلوبة شعبيا في السينما. وبأكثر من طريقة، فان هذا النوع السينمائي اتسم باقرانه بفكرة الميلودراما "الواقعية"، ومعظم الأحيان باضفاء الطابع الملحمي على شكله وأبعاد بنائه القصصي والثيمي. وفي اطاره الكلاسيكي، فان النوع التاريخي في السينما ينحو الى سرد قصص "أخيار وأشرار" في خضم أحداث رئيسة أو مغيرة في التاريخ. كما أنه كثيرا ما يستلهم ثيمات تقدم توصيفات دقيقة، وان لم تكن بالضرورة "مثبتة" تاريخيا، لتلك الأحداث في ما يفترض أن يكون تقديما موضوعيا لعالم ومكان من الماضي. و يبقى هذا الاطار الشكلي العام هو نفسه الذي نراه اليوم ضمن معظم الأفلام ذات الطابع التاريخي الملحمي، كما يبقى المحدد لقواعد التعريف الأساس لهذا النوع السينمائي.

 

يقدم القادسية رؤية بانورامية لانتصار القائد العربي سعد بن أبي وقاص في معركته ضد قوات الفرس، في حين يشدد وبشكل متكرر على التناقض فيما بين القيم "الاخلاقية" والثقافية والسياسية لكلا من معسكري الحرب وقادتهما. ومن البدء، فان فيلم أبو سيف "القادسية" جرى تطويره ليماشي ويستلهم المكونات الرئيسة لفيلم الملحمة التاريخية كما جرى رسم معالمها في اطار المواصفات الرئيسة للسينما الشعبية الكلاسيكية. وهذا يتضمن سرد الفيلم لقصة أحداث تاريخية في سياق واضح لبداية ووسط ونهاية، بالاضافة الى رسم التاريخ كحكاية أفراد يجري الاحتفاء بهم بمواجهة آخرين يبنى الفيلم الخوف منهم أو الكراهية تجاههم. والتركيز يكون على ابراز الصفات الأخلاقية لشخصيات تاريخية محددة ذات أبعاد رمزية يبني الفيلم تطوير أهميتها من خلال تجسيد، وفي معظم الأحيان المبالغة في رسم ما قامت به على تحديد المسار التاريخي للعالم.

كفيلم تاريخي ملحمي تقليدي، يزعم القادسية لنفسه بطبيعة الحال تقديما "متكاملا" وموضوعيا للأحداث التاريخية: معركة معقدة وصعبة تنتهي بانتصار واضح للشخصية الأساس وهزيمة مؤكدة للشخصية المقابلة. والفيلم يشخصن ويطلق اثارة المشاهد تجاه الماضي، مقدما التاريخ كسلسلة من المواجهات المؤدية لتحقيق الانتصارات كما الى الهزائم والمعاناة، والتي تختلط فيها قيم الشجاعة والخوف والضعف والارتفاع فوق الألم. في القادسية، فان سعد بن أبي وقاص يقدم الينا كشخصية تعاني من اعاقة مرضية مؤلمة خلال قيادته لجيش عربي صغير العدد، ويوضع في مقابل شخصية رستم قائد الجيش الفارسي الضخم والذي يتسم في الفيلم بصفات القائد المتعجرف والمحب لشرب الخمر وللنساء. و يركز الفيلم بوجه خاص على معاناة الشخصية الرئيس وهو يعمل على قيادة المعركة على الرغم من مرضه ومن صعوبة التحدي الذي يواجهه في مواجهة استعمال الفرس للفيلة في المعركة. كل هذا يحدث بالتزامن مع قصة حب "منضبطة" في ايقاعها بين سعد بن ابي وقاص وسلمى وهي أرملة المثنى بن حارثة الشيباني، القائد السابق والمتوفي للقوات العربية المسلمة. ويتسم تتجسيد الفيلم لزمان ومكان الأحداث التاريخية بتفصيل بصري دقيق للمباني والخيم وللبيئة الصحراوية وللملابس، وباستعمال دقيق ومحترف للماكياج ولللاكسسوارات الفنية. ويؤمن كل هذا ما يفترض أن يكون مطابقا لما كانت عليه الأشياء في الفترة التي يرسمها الفيلم. وركزت الدعاية للفيلم قبل وبعد عرضه بشكل واضح على التميز النوعي والكمي للأبحاث الأكاديمية والفنية التي رافقت التحضير للفيلم سواء على المستوى التاريخي لمسار الأحداث أو لناحية تجسيدها البصري. وهنا لا بد من التنويه، أنه وكما مع النوع التاريخي في السينما بوجه عام، فان تركيز القادسية على "تجارب شخصية" لأحداث قصته يقاربه من أشكال سرد القصة الشخصية أو "المايكرو" للتاريخ، أو القصة الشعبية التقليدية. وهذا بالطبع ينسجم جيدا مع شكل "التاريخ الشعبي"، لكن لا ينسجم بالضرورة مع البحث الأكاديمي العلمي للتاريخ. وفي هذا السياق فان الفيلم لم يخرج عن الاطار التقليدي للنوع التاريخي في السينما "الشعبية". ويبدو أن هذا كان بالظبط ما كانت تطمح اليه أن الحكومة العراقية من خلال انتاج الفيلم.

استقبال الفيلم

في الوقت الذي توفرت له كل عناصر النجاح كفيلم يتبع للنوع التاريخي، فان استقبال الفيلم عندما جرى عرضه لأول مرة كان شيئا آخر. فمن ناحية، كانت سوريا ودول عربية أخرى بالاضافة الى مجموعات من المقاومة الفلسطينية تميل الى تأييد الطرف الايراني وذلك خصوصا في ضوء التحول في السياسة الايرانية تجاه الموضوع الفلسطيني بعد الاطاحة بنظام الشاه والذي كان في تحالف استراتيجي مع اسرائيل. ساهم هذا الواقع في تجاهل الفيلم عمليا وفي أنه لم يحظ تقريبا الا بعروض محدودة جدا في الدول العربية بما في ذلك دول تتمتع بجمهور سينمائي هام مثل سورية ولبنان والجزائر. من ناحية أخرى فان الفيلم بقي شبه مجهول في دول عربية مثل دول الخليج وبشكل أساس بسبب محدودية دور العرض في هذه الدول في تلك الفترة، وعدم وجودها أصلا في السعودية. بالتالي فان الفيلم لم يحظ بالمشاهدة عمليا حتى ضمن الدول التي كانت تقف الى جانب العراق وتموله في الحرب مع ايران. بالاضافة لهذا فان الفيديو كان ما يزال في بدايات انتشاره في المنطقة عند اصدار الفيلم، كما أن الانترنيت بالطبع لم يكن موجودا. كل هذا جعل من توزيع الفيلم ومشاهدته عربيا ضعيفة جدا الى غير موجودة عمليا.

أما في مصر، وهي الدولة الأكبر في العالم العربي والتي تتمتع بأكبر نسبة مشاهدي سينما في المنطقة والتي كان صلاح أبو سيف أحد أهم مخرجيها وأكثرهم شعبية، فقد جرى عرض الفيلم فقط في مكانين ولمدة لم تتجاوز اليومين. ويقول سمير فريد أن الفيلم جرى عرضه أيضا بطريقة سرية في مكان معزول في هيليوبوليس في القاهرة، (فريد 2007). وفي 1996 وبعد أكثر من خمسة عشرة سنة على عرضه الأول، جرى منع الفيلم من العرض في مهرجان الاسكندرية السينمائي كجزء من بانوراما عن السينما العراقية.

واختلف السبب في منع عرض الفيلم في مصر عن أسبابه في سورية. ففي تقرير تقرير صادر في يوليو عام 1987 عن لجنة للدراسات والأبحاث الاسلامية تابعة للأزهر جرى تكرار التأكيد على موقف سابق لم ينشر بشكل واسع من قبل. ومفاد وجهة نظر الأزهر في هذا الموقف هو أن الفيلم مخالف "للاجماع العلمائي الاسلامي" الذي يمنع وصف أو تمثيل رجال الصحابة العشرة، وهم مرافقي النبي محمد والذين "بشروا بالجنة". وهذا يعني أن التقديم التفصيلي لشخصية سعد بن أبي وقاص اعتبر بحد ذاته سببا كافيا لعدم السماح بعرض الفيلم في مصر، (صلاح 2002). واحتجت اللجنة الأزهرية أيضا على "الجرعة الكبيرة من العناق والقبل والتعري في أحواض السباحة" كما ظهرت في الفيلم. وكان هناك أيضا اعتراضات على توصيف الفيلم للشخصية الرئيس بطريقة "غير محترمة" وبشكل خاص لجهة علاقاته مع النساء. ومن أكثر الأمثلة التي أعطيت في هذا المجال كانت علاقة شخصية سعد بن أبي وقاص مع شخصية سلمى، وهي كما ذكرنا سابقا أرملة القائد السابق للجيش العربي، المثنى. والمعروف تاريخيا هو أن سلمى أصبحت فيما بعد زوجة ابن أبي وقاص، (العتيبي 2014).

* ناقد سينمائي مصري 

جميع الحقوق محفوظة لجريدة العالم , برمجة واستضافة وتصميم ويب اكاديمي