رئيس التحرير هيئة التحرير الاعلانات والاشتراكات اتصل بنا

الثلاثاء - 23 تموز( يوليو ) 2019 - السنة التاسعة - العدد 2242

معارضة برلمانية

الأربعاء - 26 حزيران( يونيو ) 2019

محمد عبد الجبار الشبوط

سوف اظل اكرر ان اخطر حصار تعرض له الشعب العراقي هو الحصار المعرفي المتعدد الاشكال الذي فرضه النظام الدكتاتوري على العراق منذ عام ١٩٦٨ الى عام ٢٠٠٣. وكانت النتيجة حرمان العراقيين من الثقافة السياسية الديمقراطية التي كانت تزدهر في العالم في تلك الفترة بالذات. ففي تلك السنوات بدات الموجة العالمية الثالثة من الديمقراطية،  وظهرت البيروستريكا في الاتحاد السوفييتي الذي تفكك بعد ذلك،  وسقط جدار برلين ومعه المعسكر الاشتراكي برمته، وتطورت الفكرة الديمقراطية نفسها واصبحت ظاهرة عالمية. كل ذلك والعراق مازال اسير حكم الحزب الواحد، بل الفرد الواحد وعبادة الشخصية والشعار الثلاثي الفارغ في الوحدة والحرية والاشتراكية. هذا فيما كان النظام مازال مستمرا بزج العراق بمغامراته الخارجية في ايران والكويت، فيما يواصل حملاته القمعية واعداماته الجماعية ضد المواطنين وبخاصة منهم الذين قاوموا الظلم والاضطهاد  والدكتاتورية وناضلوا من اجل الحرية امثال محمد باقر الصدر ومحمد الصدر ومواكب الشهداء الطويلة من مختلف شرائح المجتمع العراقي. كان النظام يتبع سياسة منهجية في تضليل الشعب العراقي وتسطيح وعيه السياسي بل تجهيله الى درجة نسيانه حتى قواعد الاملاء في اللغة العربية فصار يكتب (لاكن وخاصتا ومعلموا وشكرن) وغير ذلك.

هذه هي الجريمة الجماعية التي ارتكبها النظام الصدامي بحق الشعب العراقي، والتي كان من نتائجها هذا الجهل المتعدد الاشكال الذي نعاني منه الان وخاصة في المستوى السياسي. ولم يسلم الا القليلون من هذه "المؤامرة" التجهيلية الكبرى.
اتابع هذه الايام النقاشات الدائرة في بعض مواقع التواصل الاجتماعي حول موضوعة "المعارضة السياسية" فالمس مدى التخبط الذي يمارسه عن غير عمد بعض المتحدثين. 
مؤشرات الجهل السياسي ظهرت منذ البداية على ايدي من تصدوا للشأن العام بعد سقوط الدكتاتورية. فقد استخدم هؤلاء مفردة الديمقراطية كثيرا وادخلوها في الدستور بوصفها احد اهم سمات الدولة العراقية. لكنهم لم يعرفوا عن اية ديمقراطية يتحدثون، والانكى من ذلك انهم جعلوها ديمقراطية بلا معارضة سياسية، فاصبحوا كلهم مشاركين في الحكومة يستفيدون من مغانمها ويتنكرون لمساوئها ويتبرأون من نكساتها. ثم امعانا في الجهل خلطوا بين الديمقراطية التمثيلية او ديمقراطية الاغلبية وبين الديمقراطية التوافقية في خلطة عجيبة ادت الى اعاقة الدولة ومن ثم فشلها واشاعة الفساد فيها. ومما زاد في طينة الفساد بلّه انهم اخضعوا المسار الاداري للدولة للمسار السياسي لهم فصارت المناصب السياسية والادارية خاضعة لمفهوم غريب اسمه "المحاصصة الحزبية والطائفية والعرقية على اساس الاستحقاق الانتخابي". 
اليوم تتضح درجة التجهيل السياسي التي سببها النظام الصدامي في العراق ونحن نفتح صفحة المعارضة في العملية السياسية. ابتداء، بدأت مسرحية اللعب بالكلمات باطلاق اوصاف ونعوت على المعارضة ليست بحاجة اليها. فيكفينا ان نقول معارضة برلمانية او معارضة سياسية؛ لكننا لم نجد هذه البساطة في اللغة والتعبير.
والمعارضة السياسية ليست مرتبطة بالضرورة باسقاط الحكومة بين انتخابين. فاسقاط الحزب الحاكم او الكتلة البرلمانية الاكبر يتم في الانتخابات البرلمانية الدورية التي تجري كل اربع سنوات. وتقوم المعارضة خلال هذه الفترة بمراقبة اداء الحكومة ومحاسبتها وربما تقديم اقتراحات بديلة. فاذا شاءت ان تسقط الحكومة فيمكنها ان تتقدم باقتراح التصويت بالثقة او سحب الثقة من الحكومة.
ولان المناصب كلها خضعت في الفترة الماضية الى قانون الاستحقاق الانتخابي فان هناك العديد من المناصب التي تم شغلها من قبل اشخاصها لاسباب سياسية، فان الناس يتساءلون اليوم عن مصير هذه المناصب وهل تنسحب منها القوى التي ذهبت الى المعارضة ام لا؟!
ولهذا حديث اخر.

 

جميع الحقوق محفوظة لجريدة العالم , برمجة واستضافة وتصميم ويب اكاديمي