رئيس التحرير هيئة التحرير الاعلانات والاشتراكات اتصل بنا

الثلاثاء - 23 تموز( يوليو ) 2019 - السنة التاسعة - العدد 2242

وفاة مرسي وتحدي الاسلام السياسي فـي مصر

الأربعاء - 26 حزيران( يونيو ) 2019

د. سلمان علي الاعرجي
ان الطبيعة البنائية والمجتمعية للسياسة الداخلية تؤثر في السلوك الخارجي للدولة. اما ان تكون لتقويتها وتنشيطها على تقوية وشائج التعاون مع الدول الاخرى، او ان تكون تنافسية او صراعية, ومفتقدة الى الاجماع والتوافق الوطني خاصة مع تزايد دور الرأي العام واهميته, فبعد ان كان هنا النمط من التأثير غائباً عن المنطقة العربية في ظل انظمة حكم سلطوية, فقد بدأ الظهور والحضور مع ثورات (الربيع العربي)، الامر الذي يجعله في المرحلة الحالية العامل الاكثر تأثيراً مقارنة ببقية المعطيات السياسية الداخلية في مصر. رغم اهمية تلك المعطيات بما تمثله من تطورات سياسية وتفاعلات بين القوى والمؤسسات المختلفة لمصر، غير ان من الطبيعي ان تحاول القوة المستبعدة او بعض اركانها والمعارضة التقليدية, او حركات سياسية جديدة, او قوة تجاوزها الزمن وتجمد لفشلها، تحاول توجيه الثورة الوجه الوحيد الذي يخدم مصالحها، مثال ذلك (الاخوان المسلمين) في مصر؛ حيث لا تزال ظاهرة الاسلام السياسي على مختلف تياراته في العالمين العربي والاسلامي تشغل اهتمام الكتاب والمفكرين, بعديد من القضايا والاشكاليات التي تتصدرها امكانية ولادة تيار اسلامي ديمقراطي مستنير ومعتدل، تستطيع التفاعل، بايجاب، بتوقع تحديات ومسارات الواقع المعاصر؛ فحركة الثورة الديمقراطية في مصر التي تمكنت من ان تفاجئ العالم باجمعه بطابعها المسؤول والسلمي, كان مصدرها الفعلي المجتمع المدني، لا سيما ان هذه الثورات لم تنظمها الاحزاب الايديولوجية المعروفة الاسلامية او اليسارية بل هي نتائج ولادة ظاهرة جديدة مثل مناضلي الشبكة العنكبوتية او ثورة الشبكة العنكبوتية, لان كل شيء ناتج من الشبكات الاجتماعية والمبادرة الفردية، واذا كان الاسلاميون بدأوا جديا تحديد مواقفهم المعقدة من قضية الديمقراطية او تحفظاتها العديدة عن بعض المفاهيم في الديمقراطية الغربية؛ فالتيار الاسلامي الذي فرض نفسه افقيا وعموديا في مصر لا يزال متحفظا على الديمقراطية، كمشروع سياسي متكامل, وان تباين مستويات التحفظ على هذا المشروع, وبينما يعتمد النهج الديمقراطي على اعتبار الدستور الذي اتفقت عليه الامة مرجعاً لشؤون الحكم وعلاقات الحاكم والمحكوم، وعلاقات المحكومين بعضهم ببعض، وحتى طريقة تفسير الدستور وتعديله يحتكم الى الدستور نفسه, يرى الاسلاميون الاصوليون ومنهم (الاخوان المسلمين) في مصر على اختلاف تياراتهم السلفية ان المرجعية في قضايا الامة والدولة للدين متمثلة في النص الشرعي، مفسراً ومنزلاً على الواقع على منهج السلف الصالح. غير ان التيارات السلفية تفرق بين مبدأ المرجعية المطلقة للدستور ومبدأ صياغة الدستور ويرفضها اخرون. وهناك مشكلة تواجه تطوير المواقف واجراء مراجعات ليس في السياسة الخارجية المصرية فقط، بل في الجهاز التنفيذي للدولة بأكمله، وهي انعكاس ثقافة عامة للمجتمع تتعلق بالحرج من الاعتراف, ونموذج استخدام الرئيس الراحل السادات لجماعة الاسلام السياسي الذي انتهى باغتياله واعتبار توجيه النقد والمطالبة بالاصلاح خيانة نتيجة لاستمرار السياسة.
وفي سياق تطور الاوضاع السياسية الداخلية في مصر بوجه عام يلاحظ ضعف الثقة المتبادلة بين الفاعلين السياسيين وترجع قدرتهم على بناء التحالفات والتوافقات الوطنية. ومن مظاهر ذلك عدم الثقة بين الانظمة الحاكمة والمعارضة، وبين القوى السياسية المستندة الى اساس مذهبي ديني مثل المسلمين والاقباط وبين القوى المعارضة ذاتها، سواء كانت مدنية أم طائفية، وبين تنظيمات المعارضة السلمية مع بعضها البعض، ويرجع ضعف الثقة السياسية الى انتشار ثقافة الاستحواذ على السلطة من ناحية والخبرات السلبية السابقة في التعاون وتأثير التداخلات الخارجية وتعقيدات المراحل الانتقالية من ناحية اخرى.
هذا الاتجاه تعزز بشكل كبير بعد الاعلان عن وفاة الرئيس السابق محمد مرسي في السجن متأثرا بالمرض، والذي سبق ان اودع السجن بتهمة التخابر مع جهات خارجية, بعد تظاهرات العام 2013 وسيطرة العسكر على الحكم في مصر. هذه الحادثة عززت من حالة الفرقة الداخلية بين الاتجاهات السياسية الفاعلة على الساحة المصرية، وعمقت الفجوة بين تلك التوجهات، وانهت كل محاولات اعادة الثقة بين الاحزاب والتيارات المعارضة والحكومة المصرية، الامر الذي ينذر بظهور موجة عدم استقرار مقبلة عليها الشقيقة مصر.
جميع الحقوق محفوظة لجريدة العالم , برمجة واستضافة وتصميم ويب اكاديمي