رئيس التحرير هيئة التحرير الاعلانات والاشتراكات اتصل بنا

الاثنين - 11 تشرين الثاني( نوفمبر ) 2019 - السنة التاسعة - العدد 2307

"الطوفان" فيلم اللمسة الإنسانية حيال أزمة اللاجئين

الثلاثاء - 15 تشرين الاول( اكتوبر ) 2019

علي المسعود
حَقُّ اللُّجُوءِ السِّيَاسِيّ وألأنساني هو حَقُّ الالْتِجَاءِ وَالاحْتِمَاءِ بِبَلَدٍ لِكُلِّ إِنْسَانٍ غَادَرَ بِلاَدَهُ مُكْرَهاً وَمُضْطَرّاً خَوْفاً مِنَ الاضْطِهَادِ بِسَبَبِ أَفْكَارِهِ وَآرَائِهِ أو بحثأ عن الأمان. وقد طغت قضية اللجوء إلى أوروبا في السنوات الأخيرة كإحدى المشكلات التي يحاول المجتمع إيجاد حلول لها، مع وصول ما يزيد عن  مليوني لاجئ إلى القارة الأوروبية معرضين أنفسهم لأقصى درجات الخطر بحثًا عن الأمان، وصار تغير سياسة الاتحاد الأوروبي أمرا ضروريا الآن أكثر من أي وقت مضى، إذ يواجه الاتحاد الأوروبي أكبر أزمة لاجئين منذ الحرب العالمية الثانية، والتكلفة البشرية بالفعل مدمرة، وهناك الكثير من المآسي التي حدثت وعلى سبيل المثال، غرق زورقان ممتلآن بالمهاجرين قبالة السواحل الليبية، والتي خلفت مئات اللاجئين الخائفين حد الموت أو حادثة العثور على شاحنة مليئة بعشرات الجثث المتحللة، بما في ذلك أطفال صغار على جانب الطريق السريع في النمسا، لكن بدلاً من معالجة هذا الدمار البشري مباشرة، سعى السواد الأعظم من دول الاتحاد الأوروبي لتجنب تحمل أي مسؤولية على الإطلاق بشأن وضع اللاجئين، وصارت قصص اللاجئين ومعاناتهم مصدر إلهام ومادة غنية للمؤلفين الاجانب في إنتاج الافلام واعمال السينمائية، كما أن معظم الأعمال الفنية التي تتطرق لمعاناة اللاجئين تأتي في الغالب نتيجة دعم أوروبي مالي يُقدم إلى الرائدين في عالم السينما والأفلام الوثائقية، كون قضية اللجوء أصبحت مرتبطة بأوروبا التي شهدت موجة تدفق “غير مسبوقة” نهاية عام  2015 . وبذلك انضمت قضية اللاجئين إلى المواد الملهمة في عالم الإنتاج الفني، جنبًا إلى جنب مع قضايا حقوق المرأة والطفل والإنسان على وجه العموم، بانتظار رجع صداها وإحداث تغيير في حياة البؤس التي يعيشها سكان الخيام” وسط انهماك العالم، وخصوصاً أوروبا، بقضية اللجوء، وفي الوقت الذي تركز عدسات الفضائيات على العذابات التي تصاحب رحلة الحالمين بالوصول إلى القارة العجوز، وكذالك الاستياء الأوروبي من هذا الطوفان البشري،غير المسبوق، فإن الفيلم، الذي أخرجه البريطاني ستيفن فريرز قبل نحو 17 عاماً، يمضي نحو فضاء آخر، وكأنه عُرِضَ في هذا التوقيت كي يكمل الصورة الناقصة لمحنة اللجوء، الفيلم الذي قام ببطولته الممثلة الفرنسية أودري تاتو والممثل النيجيري شيويتل إيجيوفور،  الفيلم يدخل قاع مدينة لندن ليكشف معاناة المهاجرين غير الشرعيين، الذين يقضون وقتهم في أعمال شاقة و مضنية ويتحايلون من أجل ألا يفتضح أمرهم أمام رجال الأمن الذين يلاحقونهم. ولا يقتصر الأمر على «ضنك العيش»، بل ثمة صفقات قذرة تحاك في السر تصل إلى حد ابتزاز عصابات الاتجار بالبشر للمهاجرين لبيع أعضائهم، كالكلى، مثلاً، مقابل الحصول على أوراق ثبوتية تتيح لهم إقامة شرعية في الفردوس الأوروبي، أو الانتقال إلى أميركا، بلد الأحلام. الفيلم يظهر أن معاناة اللاجئ لا تنتهي مع وصوله إلى البر الأوروبي، وإنما قد تبدأ منذ تلك اللحظة التي تطأ فيها قدماه أرضاً وعرة مملوءة بالألغام والتحديات والحنين إلى الأهل، كما هي الحال بالنسبة الى الطبيب النيجيري الذي اضطر الى ترك طفلته في موطنه، وها هو يقرر العودة إليها، مع ختام الفيلم، بينما تسعى صديقته التركية الى تجريب حظها العاثر في نيويورك. هذه النهاية تختزل قضية الفيلم، وهي أن «مواسم الهجرة إلى الشمال»، التي تعد بغلال وفيرة، سرعان ما تصطدم بـ «قذارة» ممارسات بشر لا ينظرون إلى اللاجئ إلا بصفته «ورماً» ينبغي استئصاله، لن نعثر على هذه اللغة السينمائية الشجية، وعلى هذا البوح الجارح، في أي من التقارير التلفزيونية التي تتناول، في هذه الأيام، معضلة اللاجئين، فهي في غالبيتها تبدي تعاطفاً عابراً مع مسألة هي أعمق من مجرد العثور على طريق آمن للوصول إلى القارة العجوز، ففي تلك الأرض المختلفة من ناحية الثقافة والقيم والعادات تظهر مشاكل لا تحصى، هنا يأتي دور الفيلم كي يضيء واقعاً مظلماً لا يأبه به مراسلو التلفزة الذين ينساقون وراء العناوين الرائجة المكررة، فيما تضج الزوايا الخلفية للمدن الاوروبية المرفهة بمئات العناوين عن مهاجرين تركوا حياة بأكملها خلفهم، نتيجة الحروب والــنزاعات والفـــساد والاســـتبداد، ليضيعوا في متاهة بلاد غريبة باردة تلتقطها عين السينمائي، أولاً… لتعيد الشاشة الصغيرة عرضها لا في القنوات الإخبارية، وإنما في المحطات الدرامية التي تروي الألم بكثير من الأناة والصدق والعمق. وهذه سمات لا تتوافر، عادة، في التقارير المعدة على عجل.  ثم ياتي في هذا العام الفيلم الانكليزي «ألطوفان » أو “ذا فلود” وفيه يتبع المخرج “أنطوني وودليز” اللاجئ “هيلي” الإريتري ويؤدي الدورالممثل الانكليزي (إيفان أرميا ) بشكل مثير للإعجاب في أدائه للشخصية وكان مقنع للغاية، في رحلته المليئة بالمخاطر فوق المحيطات وعبر الحدود بينما نراه يصل إلى المملكة المتحدة على أمل العثور على السلامة والامان، بدلاً من ذلك  يجلس هيلي وجهاً لوجه أمام ويندي (لينا هيداي) موظفة الهجرة ووظيفتها هي استجوابه ومعرفة أسبابه في طلب اللجوء، ومع وضع حياته بين يديها حرفيًا، إنها فترة انتظار متوترة لمعرفة مصيره.
أراد المخرج “أنتوني وودلي ” أن يمثل بصدق حياة اللاجئ وهذا ما فعله بالضبط، إذ قام جنبًا إلى جنب مع فريقه بأكمله بعمل فيلم مؤثر ومذهل وذات صلة اجتماعيًا، حيث كانت المشاعر ألانسانية مميزة جدًا بسبب أداء الادوارلجميع الممثلين بشكل رائع وكذلك الكيمياء الرفيعة المستوى بين فريق العمل بأكمله.
يطرح الفيلم أفكارًا قيمة للغاية، ومن المفيد دائمًا تذكيرنا بالمأساة الإنسانية للمحاولات اليائسة للهجرة. منتج الفيلم مايك هيلي صرح لصحيفة فارايتي قال “لقد شرعنا في إنتاج فيلم روائي لأننا أردنا إشراك الجماهير الذين لا يشاهدون بالضرورة فيلم وثائقي وأولئك الذين سئموا من سماع أزمة اللاجئين”. أردنا أن يتحدث الفيلم إلى كلا الجانبين من خلال هذا النقاش وأن يشجع الحوار، ولذا أدرك فريق كرزون( الجهة المنتجة للفيلم) ما كنا نحاول القيام به مع الفيلم،وأنا أقدر لهم الفضل في المخاطرة في هذا الموضوع الجدلي والمثير للخلاف”.

 

جميع الحقوق محفوظة لجريدة العالم , برمجة واستضافة وتصميم ويب اكاديمي