رئيس التحرير هيئة التحرير الاعلانات والاشتراكات اتصل بنا

الخميس - 5 كانون الاول (ديسمبر) 2019 - السنة التاسعة - العدد 2327

الاحتجاجات والعولمة الثانية

الأحد - 24 تشرين الثاني( نوفمبر ) 2019

ترجمة وتعليق: فالح مهدي
    أجرى الصحفي الفرنسي مارك سيمو والذي يعمل في جريدة (اللموند) مقابلة مع الأستاذ الجامعي المتمرس والكاتب والمفكر بيرتراند بادي كان عنوانها هو التالي (الفعل الثاني للعولمة . .)
   تمت هذه المقابلة بعد صدور كتاب بادي الهيمنة المرفوضة (L’hégémonie contesteé  (، عن دار اوديل جاكوب، في 9-11-2019 . 
   وقبل نقل فقرات تلك المقابلة. أود التعريف بهذا الكاتب الفرنسي، فهو من اب ايراني وأم فرنسية يجيد اللغة الفارسية بطلاقة، وقد التقيت به عندما دعاني أستاذي المشرف على اطروحتي للمشاركة في ندوة عن الشرق الأوسط في المعهد الفرنسي في القاهرة كمستمع ومناقش ودون أن أقدم أية ورقة في تلك الندوة. كان ذلك في عام 1988. وقد كان مع بادي بعض الأسماء الفرنسية المرموقة في عالم الكلمة عن موضوع هذا الشرق المعقد.
برتراند بادي من النخب الفرنسية فهو يُلقب بمستشار الأمراء! إذ يستشيره رئيس الجمهورية ورئيس الوزراء في المسائل المتعلقة بهذا الشرق، وليس سراً انه من جيل كبل (هو الآخر أستاذ جامعي ومن كبار المختصين بالإسلام المعاصر) مستشار رئيس الجمهورية ماكرون فيما يتعلق بالحركات الإسلامية المتطرفة. 
في كتابه الصادر حديثاً يتناول بادي الحركات الاحتجاجية من الجزائر الى شيلي ومن لبنان والعراق الى هونك كونك.
السؤال الأول: هناك أكثر من عشر دول قامت فيها حركات احتجاج واسعة، هل هناك ديناميكية مشتركة فيما بينها؟
برتراند بادي: دون ذرة من شك، مع إن لكل واحدة منها أصولا وخصائص متميزة. مع هذه الحركات الاحتجاجية بدأ فعل العولمة الثاني. وبالرغم من الإشارة الى العولمة غاليا كشرح وتوضيح لكل شيء، إلا انها تسمح كمفهوم من وجهة نظري في إلقاء ضوء نير على ما يجري الان. لقد خضعت العولمة الى ثلاثة أعراض مرضية اساسية تركت اثرها الواضح على حركات الاحتجاج في العالم؛ الأولى من هده الأعراض الاحتواء: فنادرة جدا هي الشعوب التي بقيت خارج المشهد المعولم. والثانية التداخل Iinterdependence والتي تحد من مفهوم السيادة وتحث على التلاقح والتلاقي بين الجماعات، والثالثة تتمثل بالحركة، التي تعبرعن نفسها عبر حسن التواصل بين المجتمعات.
كل هذا يعطي الى حركات الاحتجاجات أهمية لم تكن متوفرة سابقاً؛ فالتداخل الاجتماعي ذو الطابع الديناميكي هو الذي غلب على اللعبة الدولية القديمة ، متمثلاً بالعلاقات بين الدول. 
ما يقوم بكتابة التاريخ الآن هو هذا التلاقي بين المجتمعات؛ إذ حل بدلاً من المنازعات والخلافات بين الدول. كما ان هذا التحول كان له أعظم الأثر في تعديل مسار العلاقة بين السياسي والاجتماعي. في المرحلة السابقة كان السياسي يمثل القوة الخشنة والاجتماعي القوة الناعمة والرخوةmou  (لجأ برتراند بادي الى المعلوماتية واستخدم المصطلحينhard  وsoft بين هلالين). من الآن وصاعدا أصبح السياسي غير مستقر وغير واثق في حين يتمتع الاجتماعي بقدرات تبرز فاعليتها، يوما بعد آخر. في هذه المبارزة بين الاجتماعي والسياسي، فاز الاجتماعي وعلى نحو جلي: لم يتم تحدي ايران إلا في العراق عبر تلك الاحتجاجات الشعبية قياسا بالتهديد الامريكي.
مارك سيمو: ما هو المثل الأكثر تعبيراً؟ 
برتراند بادي: المثل الأكثر تجلياً بدأ مع الربيع العربي في عام 2011، اذا وجدنا انفسنا أمام نموذج جديد، على تعارض تام مع النموذج اللينيني والذي هو جزء من الحامض النووي الأوربي وقد ورثناه من الثورة الفرنسية ومن اليعقوبية. ليس لهذه الحركات بنيوية مرتبطة بايديولوجية، ولم تتخف خلف حزب أو قائد سياسي، إنما شكلت عددا لا يمكن حصره من الاستراتيجيات الصغيرة ومن السلوكيات المتميزة التي منحت لذاتها الشرعية. الأنظمة السياسية التي تمارس الحكم كانت غير قادرة على الرد والتحرك ولم يكن أمامها من حل إلا باللجوء الى العنف المفرط، كما لاحظنا ذلك في المثل السوري. الانتفاضات التي حركت  الكرة الارضية جاءت من بغداد الى بيروت، ومن هونك كونك الى سانتياكو. لكل هذه الحركات طبيعة واحدة، فهي تضع في مطالبها الأساسية مفهوم الكرامة « dignité » (يلجأ بادي الى عبارة كرامة في نفس المقال كما تكتب باللغة العربية وهي نفسها في اللغة الفارسية حيث تكتب "كرامت") كلمة كرامة كانت تعلو على ما عداها في الانتفاضات التي شهدها الربيع العربي وبقيت مركزية، وأدت في طريقها الى تهميش المطالب الكلاسيكية الاجتماعية والاقتصادية. 
 مارك سيمو: لقد تبخّر الأمل في ربيع عربي وعلى نحو سريع. لماذا هذه الحركات  الآن؟
 برتراند بادي: كان للربيع العربي نتائج سرعان ما انتقلت الى البلدان الغربية. فظهرت حركة احتجاج في امريكا رفعت شعار (احتلوا وول ستريت) وفي اسبانيا تم بناء بودموس      Podemos (والتي يمكن ترجمتها بقادرون we can)، وقام المحتجون باحتلال بويرتا دل سول (أعظم ميدان في مدريد وعند الترجمة يصبح باب الشمس)، دون حساب الحركات الاحتجاجية في كل اوربا تقريباً، لاسيما في ايطاليا. بيد ان كل تلك التحركات فقدت حيويتها. ظهرت الآن مجددا تحت تأثير السقوط المدوي لشرعية المؤسسات الحاكمة والخوف الذي ولدته العولمة. عندما ولد الربيع العربي، لم تظهر هذه الأسئلة على نحو هامشي.
ان عدم الثقة المتنامية بين العاملين، أصبح الآن يمثل جوهر المسألة متمثلا بصعود وعلى نحو طاغ تنظيمات شعبوية أو في الشارع، كما حصل في فرنسا مع الستر الصفراء.
مارك سيمو: هل هذه الحركات متنوعة في أهدافها، بل حتى متناقضة؟      
برتراند بادي: هناك قاسم مشترك بين كل هذه الحركات، ذلك انها تضع الأنظمة القائمة موضع اتهام. ومع ان مفهوم "النظام" فيه جزء متخيل وغامض في معانيه، على العكس من مفهوم "الحكومة" أو "الحكم". عندما يكون هناك عشرات الآلاف من المتظاهرين، ولن يرضوا باستقالة الحكومة، فإن هذا يضع النخبة في حالة ضياع والسبب هو انعدام القدرة على تقديم مبادرات حقيقية قادرة على الإجابة على طلبات المحتجين، ونزع فتيل تلك الاحتجاجات. 
هذه الاحتجاجات تعبر عن فقدان الثقة الكلي في العالم السياسي. وامكانية رد هذه الأخيرة أصبح وبكل تأكيد  شديد الضعف والهشاشة. 
يجب القول ان هناك بطبيعة الحال بين هذه الاحتجاجات، اختلافات عميقة، بسبب مصادر تلك الاحتجاجات. يمكننا ان نجد العلم الفرنسي في احتجاجات الستر الصفراء، مع أعلام محلية، كورسيكية، وبرتون. في بارشلونة تم التخلي عن العلم الوطني من اجل حلم الاستقلال. ردود الفعل هذه تترجم الضياع بمواجهة عولمة لم تفهم جيداً وحمُلت احلاما لم توجد في طياتها. هذه الاختلافات تظهر تنوع أنماط الانطواء على الذات، وتأكيد تلك الاختلافات في مواجهة نفسها. مارك سيمو: هل تختلف الإشارات التي أدت الى قيام  الانتفاضات؟
برتراند بادي: هناك ثلاثة انواع من المحفزات التي ترتبط ببعضها البعض؛ الأولى تتمثل في قطرة الماء التي فاضت فوق الاناء متمثلة بردود الفعل ضد العوامل الاقتصادية والاجتماعية كما حصل في سانتياكو عند رفع بطاقة المترو. وفي لبنان مع الضريبة على واتس آب أو في فرنسا مع الضريبة على الوقود لحماية البيئة، والتي ادت الى احتجاجات الستر الصفراء. الثانية تمثلت بالمقاومة على اشكال من القهر، كما حصل في هونكونك. تمثل تلك الاحتجاجات صرخة، ولم تزل ضد الهيمنة الصينية. الثالثة تمثلت برفض النخبة الحاكمة  الملتصقة بالسلطة، كما يمكننا ان نلاحظ ذلك في الاحتجاجات الجزائرية، وفي بوليفيا وفي العراق. النقطة الجوهرية هو عدم الإيمان بشرعية السلطة الحاكمة، أما بسبب انها تنتج  سياسة اقتصادية أعتُبرت من الجماهير بعيدة عن مصالحهم أو لأن المتسلطين يبالغون  ويحتكرون كل السلطات والامتيازات أو ان الحاكمين لا يمتلكون إجابات عن تحديات العولمة.
 
مارك سيمو: كيفك يمكنك ان توضح النقاط المشتركة بين كل هذه الاحتجاجات؟  
برتراند بادي: ان احتلال الميادين العامة يمثل بحد ذاته فقدان الثقة بالنظام السياسي. الرسالة التي تشترك بها كل الاحتجاجات، تتمثل بتلك الصرخة المتمثلة من ان الشعب هو الوحيد القادر على إصلاح الدمار؛ حيث يعتبر كل فرد من أفراد الشعب ضحية. هذا الفعل يعني بالذات اتهام كل النخب السياسية وكل ما يمثل تلك السلطات، وتجعل من تلك اللحظة معبرة عن التعقيد الشديد للاحتجاجات. ذلك انها تقود الى هذه القاعدة: اية مفاوضات غير ممكنة. احتلال الميادين العامة تنزع اولاً الى بروز حقيقة من اننا موجودون واحياء. تأكيد هذا الحضور المكثف اكثر اهمية من المطالب الدقيقة. في لبنان كما في العراق يرفع المحتجون عبر وجودهم وشعاراتهم رسالة مفادها المؤسسات فقدت شرعيتها ولا تعبر إلا عن مصالح قبلية وزبائنية وإثنية وعن طائفية ضد المصلحة العامة. إذا "نحن" تعني نحن الشعب بمواجهة كل تلك المصالح. 
مارك سيمو: هل لهذه الاحتجاجات علاقة مع أنظمة ضعيفة؟ 
برتراند بادي: نعم، ان ضعف وهزال المؤسسات في هذه الدول هو من دفع الى قيام تلك الاحتجاجات. فقد أماطت اللثام عن دول غير قادرة على حماية مواطنيها والقيام بواجباتها السيادية. كما اننا أمام أنظمة سياسية لم تتمكن من خلق الحد الأدنى من التكافل الاجتماعي الذي تحتاج اليه المجتمعات من اجل أن تتمكن من الاستمرار. الخصائص المفرطة في علاقات القوة العمودية البنية (عشائر، اثنيات، طوائف دينية وسياسية)، في مقابل العلاقات الأفقية التي تسمح بقيام التكافل الاجتماعي كالمنظمات والنقابات والهيئات المدنية، لعبت دورا مهما في الاحتجاجات. النسيج الاجتماعي في هذه الدول أُصيب بالشلل وتآكل وتفتتَ.
مارك سيمو: إذاً يمكننا ان نفهم اننا امام طريق مسدود، وتعفن لهذه  الحالة المتأزمة؟
برتراند بادي: نجد أمام أنظارنا محاولات تهميش لحالة استثنائية، فمن جهة تريد النخب الحاكمة إبقاء الأمور على حالها، دون إي برنامج إصلاحي جاد ومن الجهة الأخرى الحراك الشعبي الذي لا يحدد طلباته على نحو دقيق، وليس في نيته ان يفعل ذلك. في اعرافنا الديمقراطية ان السياسة لعبة مطالب والرد عليها. في هذه الحركات الاحتجاجية ليست هناك مطالب والسبب هو عدم وجود محول 'transformateur " وحتى تنظيمات كما كان الامر في السابق؛ حيث تحولت الاهانات الى احباطات، الى غضب. كان ذلك واضحاً في الربيع العربي لاسيما في مصر، حيث تمكن الأخوان المسلمون الذين كانوا غائبين كلياً في بداية الانتفاضة، من توجيه الشارع وكسب الانتخابات ومن ثم أطيح بالأخوان من قبل الزمرة العسكرية. هذه الانتفاضات لا يمكن تحديد أهدافها على ضوء المطالب بل كمسيرة معبرة.
مارك سيمو: ما هو السبب الذي دعاكم للحديث عن الفعل الثاني للعولمة؟
برتراند بادي: العولمة تلجأ الى الوعي وفي نفس الوقت تبعث الخوف. فعل العولمة الأول تمثل بذلك البناء الساذج الذي رأى النور بعد سقوط جدار برلين. السلطات المالية في توجهها بجعل العولمة مرادفة للبرالية الجديدة، حيث ترى بنيوية العالم عبر السوق، فقامت بتهميش الحيز السياسي والاجتماعي. المطالب الاجتماعية التي هيمنت على المشهد السياسي في منتصف القرن التاسع عشر، تم كنسها. ولم يكن من وجود للعامل الاجتماعي إلا باعتباره تابعاً ثانوياً للاقتصاد.
إضافة الى ذلك، أدت العولمة الأولى الى فقدان السياسة لشرعيتها وفقدان وعيها وحساسيتها عندما اعتبرت الاقتصاد العلم الذي يلزمنا بالأخذ بوصفاته، كما نفعل مع الوصفات الطبية. لقد رأينا تعاقب حكومات من اليمن ومن اليسار وفي عدة دول أوربية كفرنسا والمانيا وايطاليا. تلك الحكومات بيسارها ويمينها اخذت بنفس السياسة. لقد ادى هذا المنطق الى وضع الوظيفة السياسية موضع تساءل منذ لحظة نشوه مفهوم الدولة القومية. الهياكل والتشكيلات الوسطية تم التخلص منها في الديمقراطيات الليبرالية مثل هونك كونك وتلك التي بقيت ولزمن طويل معادية لمفاهيم الحرية. اعتبر دكاترة الاقتصاد (docteurs en économie) النقاش حول المسائل المتعلقة بالسياسة والقانون مضيعة للوقت. هذا الموقف أدى وعلى نحو غير متوقع وساهم في قيام احتجاجات ذات طابع إثني، وديني أو احتجاجات تضامنية بين مجموعات تعاني من نفس المشاكل.
مارك سيمو: هل يمكننا اعتبار الاحتجاجات ردة فعل ضد العولمة؟ 
برتراند بادي: في قلب النظام العالمي أي الشمال (اوربا والولايات المتحدة)، تم التعامل مع العولمة باعتبارها عملية سلب مركبة. نحن لسنا وحدنا في هذا العالم لذا يجب التعاون مع  القوى الخارجية التي نتهيب منها، ويراودنا شك في انها تريد شرا بنا، لذا فإن الخوف من الأجانب، الخوف من الحرية التجارية، الخوف من فقدان العمل، الخوف في الوقوع في الفقر والعوز، انتشر في الشمال. العولمة خرجت عن كونها مركز العالم مع الحنين الى زمن  أفضل من الزمن الراهن. وأصبح من الآن فصاعدا للأطراف ما تقوله، ونظر الى العولمة كمحتل جاء ليسلبنا بعض امتيازاتنا.
مارك سيمو: ولكن كان للعولمة شأن آخر في دول الجنوب، إذ خلقت طبقة وسطى جديدة. على ماذا تستند الاحتجاجات هناك؟ 
برتراند بادي: بالفعل، في دول الجنوب، اعُتبرت العولمة  نعمة وهدية، انما شكًلت هوة بين الامل الذي وعدت به وبين تحجر النظام السياسي ذي الطبيعة الريعية. شعارات الشارع اللبناني، كما هو الأمر في شيلي، كانت يشير بوضوح الى هذا الأمر.. العولمة سمحت بإيجاد وسائل تواصل اجتماعي  واسعة الانتشار، خلقت في دول الجنوب وضوح رؤيا، لم يكن لها من وجود سابقاً. يقدر عدد التليفونات النقالة في افريقيا بـ400 مليون تليفون، متصلة مع بعضها البعض بفضل نظام التقنية الحديثة. الإحباط والغضب لم يمنعا الأمل في النمو. عبر التقنية الحديثة تعرفنا إلى عالم استهلاكي عظيم، بيد انه عصي على بلدان الجنوب. يجب عدم نسيان البتة، ان هناك ما يقارب المليار انسان تحت مستوى الفقر. الجبهة ثنائية الطابع كما نجد ذلك في المغرب حيث تجد في الاحتجاجات أشخاصا من الطبقة الوسطى التي تريد ان تستفيد من العولمة، وذلك بإدانتها للنظام المتحجر في الجزائر. كما ان هناك الفقراء الذي استبعدتهم العولمة ، بيد انهم أصبحوا على وعي بإقصائهم منها. 
مارك سيمو: هل يمكننا اعتبار السلطات في دول الجنوب معرضة اكثر من دول للشمال  للسقوط في هذه الاحتجاجات, أو هل هناك تقليد يسمح بالحد من المطالب الاجتماعية؟ 
برتراند بادي: في الحقيقة المؤسسات في دول الجنوب اكثر هشاشة. من غير الصحيح اعتبار النظام قوياً لأنه متسلط، ويعطي الانطباع بأن له قدرة هائلة بالحد وتدمير الاحتجاجات. المستوى المتدني من شرعيته هو الذي يقود الى سقوط الحكام الدكتاتوريين بسرعة فائقة. النقطة التي تشترك بها كل مجتمعات الجنوب تتمثل بعدم الاعتراف بشرعية تلك الأنظمة، فالشعوب بعيدة عنها ولا تحبها ولا تحترمها. كل هذه عوامل بنيوية في تلك الهشاشة التي تميز بها الجنوب.
العامل الاجتماعي أصبح أكثر قوة في مواجهته وصراعه مع عالم السياسة، وهو في تصاعد مستمر. ومن هنا تأتي أهمية الربيع العربي، مهما كانت نتائج ذلك الحراك. وهذا ما يفسر هشاشة السلطات في بيروت وبغداد وفي فنزويلا. انه الجنوب هو من يضع القواعد الجديدة للاحتجاجات. في كتابي الصادر في عام 1987 (الدولتان)، أشرت الى التعارض في ثقافة الاحتجاجات بين الجنوب، وذاك الموجود في اوربا. وأتساءل الان مع الفعل الثاني للعولمة، هل سندخل مرة أخرى في احتجاجات لا علاقة لها البتة بالاحتجاجات ذات الطابع الطبقي. مارك سيمو: ما هي التحديات الكبيرة أمام هذه الاحتجاجات في اللحظة الراهنة؟
برتراند بادي: هذه الاحتجاجات ذات طابع تعبيري أكثر من ان تكون مطلبية. انها تدخل في منطق الهوة أكثر من المواجهة. اننا نبتعد هنا عن الصراع الطبقي ونتجه نحو تأكيد مفاهيم التواصل المطلق بين عالمين. حيث ندين بشدة لهذه الفجوة، ونحاول ان نعيد بناء مفهوم الشعب، والذي يعاني هو بالذات من مرجعيات ذات طابع رجعي ومحافظ (الأمة والانطواء على الهوية الاثنية، شك وحذر من الآخر)، لهذا السبب يمكن لا سيما في دول الشمال، ان تكون لهذه الاحتجاجات توجهات  محافظة وتقدمية.
في الجنوب تمت محاربة الأنظمة الهوياتية، لكن وفي نفس الوقت ولد الخوف من العولمة التي ينظر لها باعتبارها مؤامرة من الاخرين، بالتعاون مع النخب المحلية والعالمية.
جميع الحقوق محفوظة لجريدة العالم , برمجة واستضافة وتصميم ويب اكاديمي