رئيس التحرير هيئة التحرير الاعلانات والاشتراكات اتصل بنا

الخميس - 20 شباط ( فبراير ) 2020 - السنة التاسعة - العدد 2379

عراقيون.. غرباء في الوطن

الخميس - 13 شباط ( فبراير ) 2020

علي بابان*
حظي مصطلح (الاغتراب) بمزيد من الاهتمام في العقود الاخيرة، وتم تسليط الضوء عليه بقوة من قبل الباحثين والاكاديميين في مجالات علوم الاجتماع والسياسة والاقتصاد. وبرز مفهوم (الاغتراب) كاداة تحليلية هامة في وصف افراد وشرائح من المجتمع وتوصيف اوضاعهم وتفسير مواقفهم، وردود افعالهم تجاه المجتمعات التي يعيشون بها. وصدرت العديد من التعريفات والتصنيفات له فهناك (الاغتراب الاجتماعي) و(الاغتراب السياسي) و(الاغتراب الثقافي)، ولم تتخلف مدرسة من مدارس علم الاجتماع عن المساهمة في اغناء هذا التطور المعرفي، وهذا الاسلوب التحليلي، ابتداء من الماركسيين وانتهاء بعلماء الاجتماع الكلاسيكيين. وكلّ حاول ان يضع لمسته المستمدة من فكره ومنهاجه في هذا الجهد المعرفي، حتى صار لدينا هامش واسع من الاستخدامات والضوابط المحددة.
باختصار وباللجوء الى التبسيط، يمكن القول ان الاغتراب حالة يجد فيها بعض الافراد او شرائح من المجتمع انفسهم غرباء عن المجتمع الذي يعيشون فيه، اما لاسباب سياسية او ثقافية او اجتماعية او غيرها، بما يؤدي الى عزلتهم الشعورية عنه واضعاف درجة تفاعلهم وتكاملهم مع تلك المجتمعات، فهم جزء من المجتمع في التعريف القانوني، لكنهم بمشاعرهم واحاسيسهم غرباء عنه.
اذا جئنا الى الحالة العراقية ومنذ  تاسيس الدولة في عشرينيات القرن الماضي، نجد ان شرائح مختلفة من المجتمع كانت تحس بالاغتراب بالفعل. ولم يتحقق اندماجهم مع حركة الدولة والمجتمع بالشكل الكافي؛ الكرد الذين لم تصوت محافظاتهم بالموافقة عندما اجري استفتاء تاسيس الدولة العراقية، كان الاغتراب صفة بارزة لهم؛ الشيعة الذين قادوا ثورة العشرين طلبا لاستقلال العراق وطالبوا بملك عربي من السلالة النبوية، شعروا باغتراب عن الدولة الوليدة، وعزز ذلك فتاوى بعض المراجع التي حرمت عليهم العمل في الدولة، حتى اشتكى ارباب النظام الملكي من رفض ابناء العشائر العربية الشيعية الانخراط في تشكيلات الجيش، رغم ان اول الافواج قد اطلق عليه اسم (فوج موسى الكاظم)، طبعا عندما نشير لهذه الظواهر، فانما بالمعيار النسبي فقد يكون الاغتراب ملاحظا عند فرد دون اخر او عند شرائح دون غيرها، داخل نفس المجتمعات المتجانسة.
مع تغير الاوضاع السياسية وقيام النظام الجمهوري وتولي عبد الكريم قاسم الحكم، تغير المزاج الشيعي وبدات حلقات الاغتراب السياسي والاجتماعي تتفكك شيئا فشيئا، غير ان ذلك لم يدم طويلا؛ ففترة حكم عبد الكريم قاسم استغرقت اقل من خمس سنوات. وعندما استلم الاخوان عارف السلطة، عادت مشاعر الاغتراب للوسط الشيعي العراقي مجددا، ثم تعززت هذه المشاعر مع قدوم حزب البعث للسلطة منذ عام 1968 وحتى سقوط النظام على يد الاحتلال الامريكي عام 2003 ورغم ان فكر حزب البعث يحمل توجها قوميا عربيا، الا ان النظام تحول نحو الديكتاتورية بسرعة، كما ان السلطة وجدت نفسها في معركة حقيقية مع الاسلام الشيعي السياسي، مما ساهم وعزز من شعور الشيعة بالاغتراب عن هذه الدولة، التي ادركوا انهم لا يملكون سلطة حقيقية فيها، وانها تناصب ثقافتهم الخاصة العداء.
بعد سقوط الحكم البعثي وقدوم الاحتلال تغيرت خارطة الاغتراب واتجه بندوله هذه المرة الى السنة، الذين شعروا بسقوط دولتهم وذهاب سلطتهم، كما أحسوا ان الاحتلال يستهدفهم فدخلوا معه في مواجهات مستمرة كرست عزلتهم الشعورية عن السلطة، واعاد التاريخ نفسه وكما فعلت مراجع الشيعة قبل ما يقارب التسعين عاما، اصدرت بعض القيادات الدينية السنية توجيهات بمقاطعة العملية السياسية ورفض كل مخرجاتها، وكان لهذه التوجيهات بعض التأثير ويمكن ان نشير هنا على سبيل المثال لا الحصر، لرفض المحافظات السنية للدستور بأغلبية واضحة.
عايش ابناء الاقليات الدينية في العراق كالمسيحيين والصابئة والايزيديين ومن قبلهم اليهود مشاعر الاغتراب وحالاته، ولم يوفر لهم النظام السياسي، ولا النظام الاجتماعي اطارا مناسبا، يحفظ باحترام خصوصيتهم ويدمجهم في حركة المجتمع ويمتعهم بالمواطنة الكاملة والحقيقية، وكان من نتائج ذلك انكفاء هذه الاقليات داخل مجتمعاتها في بعض الاحيان وفي احيان اخرى قرار ابناؤها الهجرة وترك العراق، فيما قررت فئات اخرى منهم البقاء حتى ولو هامش المجتمع.
ويمكن ان نشير هنا لمأساة الكرد الفيلية الذين قرر النظام البعثي تحويل اغترابهم الى (تغريب اجباري) وارغمهم على ترك العراق، وكذلك فعل النظام الملكي مع يهود العراق، عندما اسقط عنهم الجنسية العراقية.
في السنوات الاخيرة نمت نماذج وصور اخرى من الاغتراب ابتعدت بها عن التقسيم الطائفي والعرقي للمجتمع العراقي لتاخذ اشكالا جديدة يمكن ان تندرج تحت عناوين (الاغتراب الثقافي) و(الاغتراب الاقتصادي)، فالحاكمون حاولوا بطريقة مباشرة او غير مباشرة، ان يفرضوا ثقافتهم الخاصة وفهمهم الذاتي للدين لكن قطاعات واسعة من الشباب، رفضت الثقافة الاجتماعية السائدة وثقافة الحاكمين، وتضخمت مشاعر الاغتراب عند هذه الشرائح الشبابية، ومما زاد من حدة حالة الاغتراب لديها (القهر الاقتصادي والمعيشي) الذي مورس بحق هؤلاء الشباب، ما اطاح بصدقية النموذج القائم برمته؛ فالشاب العراقي تيقن ان افاق المستقبل قاتمة امامه، وان فساد الحاكمين وانعدام صدقيتهم سيحرمه من بناء النموذج الذي يحلم به.
لقد كانت حالة كل عاطل او محروم من فرص العمل، تمثل نموذج اغتراب حقيقي، غير ان شباب العراق وجدوا الاغلبية الساحقة منهم يشاركونهم معاناتهم المعيشية ورفضهم للثقافة الرائجة، ما شكل تيارا اجتماعيا متعاظما، ملأ ساحات التظاهر وميادين الاحتجاج، خصوصا في وسط وجنوب العراق؛ حيث عملت تلك الثقافة الاجتماعية على بناء ركائزها وقواعد انتشارها، وهكذا تحولت مشاعر الاغتراب الى احتجاج منظم.
من التهميش السياسي الى الحرمان المادي انتهاء بالاستلاب الثقافي والفكري، تضخمت (جزر الاغتراب) في مجتمعنا وعبرت عن نفسها بصور مختلفة، امتناع عن المشاركة السياسية والانتخابية، يأس من اصلاح الاوضاع، هجرة واسعة من العراق، ورفض واسع للنظام السياسي والاجتماعي والثقافي، هذا الرفض الذي وجد تعبيره الاسمى في ثورة تشرين التي تتوالى احداثا وفصولا.
لا يصعب على الباحث ان يجد جذر الاغتراب ومسبباته في اي مجتمع؛ قهر اقتصادي، انعدام للعدالة؛ افرادا او مجتمعات لا تحس ان لها صوتا مسموعا في القرار الوطني، إزاء كل مظلومية. هناك حالة اغتراب. ومع كل محرومية هناك مشروع اغتراب. نظرة دونية او عدائية لفئات من المجتمع، مردها مفهوم اجتماعي مغلوط، او قراءة خاطئة للدين او المعتقد، او تعصب احمق يملي على اصحابه مواقفهم. نظام سياسي فاشل يعجز عن استيعاب مواطنيه. نظام تنموي قاصر، يحرم الافراد والمجتمعات من فرص الازدهار، ويوسع مساحات الحرمان. ثقافة متخلفة مغلقة لا تعيش عصرها ولا تؤمن به. والقائمة تطول، وازاء كل منها مساحة من الاغتراب في المجتمع.
الاغتراب حيثما وجد يختزل من وطنية الفرد، ويصنع منطقة رخوة داخل المجتمع، يمكن ان ينفذ منها الاعداء ومشاريعهم.
النظم الديكتاتورية الظالمة في العادة هي التي تحتفظ باوسع مساحات الاغتراب، لان الدولة والمجتمع ملك الحاكم الفرد، ولا احد سواه يملك حق التفكير او حق اتخاذ القرار، وباقي المواطنين هم غرباء في اوطانهم.
النظم الراشدة هي التي تحاصر (جزر الاغتراب) وهي التي تصنع اطرا ثقافية واجتماعية، يجد فيها كل مواطن تعبيره عن ذاته. انها النظم التي تبني نظاما سياسيا لا يستثني ولا يهمش احدا، وتخلق منهجا للنماء والازدهار يعم بخيراته اوسع مساحة من المجتمع. النظم الراشدة هذه هي التي تحسن (ادارة التنوع) في مجتمعاتها، بحيث يصبح عنصر اغناء وجمالية دون ان تضيق باحد، او ان تصادر هوية احد.
من المؤسف ان نجد شرائح واسعة من المجتمع العراقي تحس بـ(غربة الروح) و(عزلة النفس)، وبالتاكيد فان العراق المستقر والمزدهر، لن يبرز الى الوجود، ما دامت مشاعر الاغتراب تلك تسود قطاعات واسعة فيه. من المحزن جدا ان نجد عراقيين.. غرباء في وطنهم. قال الرسول عليه واله السلام: ((بدأ الاسلام غريبا وسيعود غريبا كما بدأ.. فطوبى للغرباء)).
* وزير التخطيط الاسبق

جميع الحقوق محفوظة لجريدة العالم , برمجة واستضافة وتصميم ويب اكاديمي