رئيس التحرير هيئة التحرير الاعلانات والاشتراكات اتصل بنا

الثلاثاء - 11 اب( اغسطس ) 2020 - السنة التاسعة - العدد 2489

المحكمة الاتحادية.. من القانون إلى المشروع

الخميس - 30 تموز( يوليو ) 2020

د. محمد صباح علي
 (3 ـ 3)
خامسا: مشروع قانون المحكمة الاتحادية الجديد وأهم الملاحظات عليه
  أتمت اللجنة القانونية في مجلس النواب تحضيراتها لعرض مشروع قانون المحكمة الاتحادية للقراءة الثانية. وبينت اللجنة أنها أجرت عدة تعديلات على مسودة القانون الحكومية، الذي جاء باتفاق المجلس مع حكومة عادل عبد المهدي على تشريع أكثر من خمسة عشر قانونا معطلا منذ الدورات السابقة. وواجهت مسودة القانون الحكومية اعتراضا شديدا من قبل الأعضاء على ما تضمنتها من فقرات تمثل إشكاليات عديدة في حسابات الكتل السياسية. وقد بيّن نائب اللجنة القانونية في حديث له "أن البرلمان سيتوجه إلى تعديل القانون الحالي في حال فشل بالتصويت على مسودة القانون الحكومية". وأضاف أن "ثلث أعضاء المحكمة الاتحادية لا يتمتعون بسلامة جسدية متكاملة بعد أن تجاوزت أعمارهم التسعين سنة مما انعكس حتى على تواقيعهم"، داعياً إلى "الإسراع في إقرار قانون المحكمة لتفادي عملية الفراغ الدستوري بسبب المشكلة الحاصلة حالياً على الجهة المخولة في عملية الترشيح." وبالرجوع إلى مشروع قانون المحكمة الاتحادية يمكن لنا تثبيت أهم الملاحظات عليه والتي تتمثل بالآتي: 
1- جاء في المادة (1) من مشروع قانون المحكمة الاتحادية بأنها "الهيئة القضائية"، تتكون من سبعة قضاة من بينهم الرئيس ونائب الرئيس، عضوان من فقهاء القانون، أربعة أعضاء من خبراء الفقه الإسلامي، وهو ما يخالف نص المادة (92) من الدستور، الذي عد المحكمة وكما بيّنا هيئة قضائية، مما لا يمكن قبول دمج خبراء الفقه الإسلامي ضمن منصة المحكمة المؤلفة من القضاة، ومما يؤكد ذلك نص المادة (93) من الدستور، التي بينت اختصاصات المحكمة، ولو أردنا مسايرة المشروع، واقتنعنا مجبرين بان الفقرتين (أولا/ ثانيا) من اختصاصات المحكمة ممكن أن يكون رأي للفقهاء فيها، فكم تمثل من نسبة تجاه الاختصاصات القضائية المتبقية؟ بالإضافة إلى منح خبراء الفقه الإسلامي حق الفيتو في مشروع القانون، سيعطل تمرير أي قرار للمحكمة بحجة المساس بثوابت الإسلام، مما ستهيمن على المحكمة؛ بسبب اشتراط ثلاثة أرباع خبراء الفقه، فضلا عن المخالفات التي يثيرها ولعل من أهمها:              ((مخالفة المادة 14 من الدستور التي تنص على مبدأ المساواة، كون وجود خبراء في الفقه الإسلامي من السنة والشيعة ضمن منصة المحكمة من دون الأديان الأخرى يمثل تمييزا على أساس ديني ومذهبي؛ لأن المحكمة الاتحادية هي لكل العراقيين وليست ملك الشيعة والسنة، فضلا عن أن هذا النص يخالف القوانين الدولية والشرعية الدولية لحقوق الإنسان)).
2- منح مشروع القانون لديواني الوقف السني والشيعي حق ترشيح خبراء الفقه الإسلامي وفقا لشروط محددة، وهذا مخالف لقانون الوقفين الذي لم يمنحها هذا الحق من جانب، ومن جانب آخر أن اختصاصات هذه الأوقاف إدارية تنحصر في الإشراف ومتابعة شؤونها الدينية والمالية، بحيث يتعذر عليهم حق الترشيح استنادا إلى ندرة الكوادر العاملة لديها التي تتمتع بمثل اختصاص المحكمة الاتحادية العليا، علاوة على مصطلح خبراء الفقه الإسلامي، يتطلب في الشخص أن يكون من خريج كليات الشريعة والقانون التي تشابه خريجي جامعة الأزهر في مصر بأن يكون متعمقا في الشريعة والقانون. ويعلم الجميع أن دوائر الأوقاف غير مؤهلة للتعامل وترشيح خبراء فقه إسلامي.
3- منح مشروع قانون المحكمة الاتحادية الحق لمجلس النواب بالتصويت على أعضاء المحكمة. ونرى أن في هذا مخالفة صريحة لنص المادة (61/خامسا/أ) من الدستور التي نصت على الموافقة على تعيين ((رئيس وأعضاء محكمة التمييز الاتحادية، ورئيس الادعاء العام، ورئيس هيئة الإشراف القضائي، بالأغلبية المطلقة، بناءً على اقتراحٍ من مجلس القضاء الأعلى)). وبدلالة النص نلاحظ أن الدستور قد ابعد مجلس النواب عن التصويت على أعضاء المحكمة الاتحادية العليا. وللمحكمة الاتحادية قرار بهذا الشأن في عام2015 مفاده انه لا يمكن لمجلس النواب الامتداد خارج وظيفته واختصاصاته المقررة طبقا للدستور.
4-  تضمن مشروع قانون المحكمة منح رئيس الحكومة ونائبيه ورئيس مجلس النواب ونائبيه ورئيس الجمهورية ونائبيه تسمية وترشيح أو اختيار أعضاء المحكمة. وفي الحقيقة أن هذا النص مقتبس من قوانين المحاكم الدستورية الأوربية، الدول التي قد أرست دعائم الديمقراطية، وتوجهها الوحيد حماية الدستور ومن الصعب تطبيقه في العراق، وتضمينه داخل مشروع القانون الذي لا تزال لمسات القوى السياسية واضحة فيه، وتطبيق هذا المقترح في العراق في الوقت الحالي يهدر استقلالية المحكمة الاتحادية ويجعلها تابعة للسلطة التنفيذية، وسيتم اختيار القضاة على أساس الولاءات، مما نكون قد أهدرنا الفائدة من القانون الجديد، وأهدرنا أي قيمة لمبدأ الفصل بين السلطات المعمول به في النظم البرلمانية، وحينئذ ستكون الترشيحات خاضعة لأهواء الكتل السياسية. والأفضل في الترشيح هو أن يكون الانتخاب من داخل السلطة القضائية مجتمعة، وتختار أعضاء المحكمة الأصليين مع آخرين احتياط يتم الاتفاق على عددهم، ثم ترفع مباشرة إلى رئيس الجمهورية، لغرض إصدار مرسوم جمهوري. وهذه الطريقة تتفق مع استقلالية المحكمة المشار إليها في المادة (92/أولا) من الدستور، وللمحكمة الاتحادية حكم في ذلك يشير إلى استقلاليتها ماليا وإداريا. ولا بأس بالمدة المحددة للأعضاء الواردة بمشروع القانون.
5- ورد في نهاية المادة (1) من مشروع قانون المحكمة عبارة (ويكون رئيسها رئيسا للسلطة القضائية الاتحادية). وتعني رئيس المحكمة الاتحادية، والحقيقة هذا خروج واضح وصريح بل وتفسير في غير محله لنصوص الدستور وتحديدا المادة (89)، لم تسم رئيسا للسلطة القضائية، عندما عددت الجهات القضائية. وأكدت ذلك المادة (92/ أولا) من الدستور عندما بينت المحكمة الاتحادية مستقلة ماليا وإداريا، فكيف يمكن لقانون المحكمة أن يتجاوز نصوص الدستور، وينشئ له مركزا قانونيا يسمو على الهيئات القضائية الأخرى، فينبغي مراعاة الوثيقة الأسمى في الدولة عند المضي بمناقشة المشروع.
6- القضية الأهم والأخطر التي نتمنى أن ينتبه لها عند مناقشة المشروع، وتضُمن داخل القانون، إلا وهي المؤهل الدقيق للقاضي والخبير القانوني، ولا نختلف حول التنوع الذي يجب أن يراعى في المحكمة الاتحادية بين فروع القانون الخاص والعام، إلا أنه يجب أن يزيد مؤهل من هم من اختصاص القانون العام الذين درسوا وفهموا القانون والقضاء الدستوري والإداري، وتأملوا النظريات القضائية الدستورية والإدارية ومدلول نشأتها، كون ذلك سينعكس على مضمون قرار المحكمة واستدراك القاضي لأدوات التشبيه والعمق في التفسير للخروج بالحكم القضائي مقنع ومفهوم للكافة، فضلا عن أن أحكام المحكمة باتة وغير قابلة للطعن بها. ورأينا أعضاء المحكمة السابقين جميعهم من فرع قانوني واحد ومتشابه. كما ويجب تعزيز المحكمة من حملة الشهادات العليا. ونستشهد في هذا السياق، مثلا، بقضاة المحكمة الدستورية المصرية، وأحكام محاكمها النيرة. وكيف يسترسل القاضي في شرح الوقائع ليصنع منها قطعة نثرية يستمتع الجميع بقراتها. وما كان هذا إلا بفضل الاختصاص الدقيق لأعضاء هذه المحكمة المهمة في حياة الشعب. ولنا في العراق تجربة مجلس الدولة عندما تم اختيار أستاذة في القانون العام كمستشارين في محاكمه، كيف انتقل نقلة نوعية في عمله القضائي، وشهدنا التغيير في كتابة القرارات والأسلوب المختلف، لتكون أكثر محكمة، نظرا للدعاوى بين المحاكم الأخرى، ليصل عدد الدعاوى في اليوم إلى أكثر من (150) دعوى.
7-  أخيرا نلتمس من نوابنا الكرام ابعاد المحكمة الاتحادية عن برنامج المحاصصة المحكوم به العراق، وجعلها محكمة قضائية قوامها الدستور وحماية نصوصه، لتنعكس على الشعب باحترام الدستور وسيادته؛ فمن غير المقبول ما ورد بالفقرة (أ) من المادة (4) من مشروع القانون الذي نص على (يحفظ في تكوين المحكمة التوازن الدستوري بين مكونات الشعب العراقي). فلم نجد نصا دستوريا يتعلق ـ من قريب أو بعيد ـ بالمحكمة أو مؤسسات الدولة المدنية الأخرى باستثناء ما ورد بالمادة (9/أولا/ أ) التي فرضت تحقيق ذلك التوازن في المؤسسات العسكرية والأمنية دون غيرها، ثم إذا تعمقنا قليلا في مواد المشروع لرأينا لا وجود لمكونات الشعب باستثناء (الشيعة- السنة – الكرد)، وهو بمثابة فيتو لحماية مصالحهم؛ لعدم تمرير أي قانون يمس استحقاقهم السياسي. 
في الختام نقول من الضروري المضي بتشريع قانون المحكمة الاتحادية. وما زال الوقت متاحا لمناقشة مواده والوقوف عند الملاحظات ـ التي ذكرت آنفا ـ  بشكل جاد، ومناقشتها بروح بعيدة عن السياسة والتحزب والمصالح. وان تكون خالصة للوطن والشعب. وننتظر ولادة هذا القانون المهم. وكنا قد ثبتنا ما لاحظناه وفق فلسفة قانونية ودستورية، وما تبقى هو من صميم عمل مجلس النواب. 
• رئيس مركز بغداد للتنمية القانونية والاقتصادية.

جميع الحقوق محفوظة لجريدة العالم , برمجة واستضافة وتصميم ويب اكاديمي