د. فراس مصطفى
حين يتابع المرء شاشات التلفزة و وكالات الأنباء العالمية و وسائل التواصل الاجتماعي و هي تنقل بأسلوب استعراضي مثير ما يدور في شوارع فرنسا، يتشكل في ذهنه انطباع سريع وحاسم بأن الجمهورية الخامسة تقف على شفير انهيار مجتمعي شامل، وأن الفوضى التهمت معالم الجمال والتاريخ والسكينة في هذا البلد، غير أن هناك بوناً شاسعاً وفجوة عميقة بين واقع ملموس يعيشه الإنسان بنفسه، يوماً بيوم وعلى مدار أعوام طويلة، وبين صورة معتمة ومقطوعة عن سياقها يروج لها إعلام أقل ما يقال في حقه إنه (إعلام أعمى) يقتات على تضخيم الأزمات وصناعة الإثارة المجردة.
منذ أن وطأت قدمي أرض العاصمة الباريسية قبل عقد و نصف من الزمن، عشت في قلب باريس و تنقلت في السكن بين أرقى أحيائها و ضواحيها و زرت مناطقها التي تعاني من الاضطرابات المجتمعية و عدم الاستقرار و عاصرت أزمات متعددة و حراكات اجتماعية متلاحقة هزت الأركان السياسية للبلاد فكنت شاهداً حياً وميدانياً على أقواها و أصخبها، مثل حركة (السترات الصفراء Gilets Jaunes) التي انطلقت أواخر عام 2018 والتي شلت شرايين الحركة المروية في الشوارع الكبرى وشهدت ساحة قوس النصر و منطقة الإليزيه وشارع الشانزليزيه مواجهات محتدمة غير مسبوقة، وعايشت التظاهرات الحاشدة للعوائل والشباب الفرنسي ضد قانون (الزواج للجميع Mariage pour tous) في عامي 2012 و2013، و تابعت معظم الاضرابات التي خاضتها النقابات العمالية (CGT) ضد تعديلات قانون التقاعد و تحسين مستويات المعيشة و غيرها من المطالب. وخلال كل تلك السنوات، ومن خلال المعايشة اليومية المباشرة والمتابعة الدقيقة للشارع الباريسي وضواحيه، لم أرَ ، سواء بشكل مباشر او عبر شاشات التلفاز فرنسياً واحداً يمارس التخريب المتعمد، أو يسعى لتدمير ممتلكات غيره، أو يخطط للاعتداء على المنشآت العامة وسرقة محتوياتها. نعم، قد يحتدم الغضب في لحظات المواجهة الميدانية، فيصطدم المتظاهرون بقوات مكافحة الشغب كردة فعل على العنف المفرط أو الغازات المسيلة للدموع التي تستخدمها الشرطة أحياناً للسيطرة على الجموع، لكن أعمال التخريب المنظم والسلب والنهب لم تكن يوماً جزءاً من الثقافة السياسية للفرنسيين ولا من سلوكهم الاحتجاجي الأصيل.
إن المواطن الفرنسي مرتبط بوطنه بآصرة وجدانية وثقافية عميقة، وهو حريص إلى أبعد الحدود على تراثه ومعالمه التاريخية التي تشكل هويته الوطنية. ولعل في التاريخ درساً بليغاً يفسر هذه النفسية المركبة؛ ففي حزيران من عام 1940، وأثناء الحرب العالمية الثانية، عندما دنت القوات النازية من مشارف العاصمة باريس، اتخذت الحكومة والقيادة العسكرية الفرنسية قراراً مصيرياً بإعلان باريس (مدينة مفتوحة Ville ouverte)، وتسليم مفاتيحها دون خوض معركة مسلحة داخل أسوارها. لم يكن ذلك القرار نابعاً من استسلام أو جُبنْ أو هوان، بل كان دافعه الأول الخوف على التراث العريق للمدينة العظيمة، وحماية بنيتها المعمارية وجسورها و برجها الشهير ومتاحفها الخالدة وقصورها التاريخية العظيمة من الدمار الشامل الذي طال مدناً أوروبية أخرى مثل وارسو و لندن و روتردام، ولم تكن تلك الخطوة سوى قشرة ظاهرة لروح المقاومة العصية؛ إذ سرعان ما اندلعت المقاومة الفرنسية الداخلية التي يسميها الفرنسيون (La Résistance) بضراوة و بسالة نادرتين، بتنسيق مع قيادة (فرنسا الحرة) التي كانت تتحرك من لندن بزعامة الجنرال شارل ديغول. قاوم الفرنسيون من مختلف التيارات والطبقات الاجتماعية، خاضوا حرب عصابات و قاموا بعمليات تجسس ناجحة أحبطت هجومات نازية مدمرة و استطاعوا تخريب خطوط إمداد العدو و غيرها من العمليات الشجاعة، و لولا الدور الفاعل الذي لعبته تلك المقاومة لما انكسرت الشوكة النازية على الأرض الفرنسية تمهيداً لإنزال النورماندي و تحرير باريس في آب 1944 والتي كانت الخطوة الرئيسية نحو معركة برلين التي اطاحت بهتلر و حررت اوربا من النازية.
وحين يمشي المرء اليوم في شوارع باريس، تلحظ عيناه على جدران أزقتها وأبنيتها وفي معظم المدن الفرنسية الأخرى، لوحات رخامية تذكارية تُخلد أسماء رجال ونساء وشبان أعدمهم الاحتلال النازي بتهمة المقاومة أو تقديم يد العون للمقاومين و مازال الفرنسيون يضعون الزهور و يشعلون الشموع حول تلك اللوحات و النصب تخليدا لذكرهم.
لقد بذل أولئك الأبطال دماءهم وأرواحهم عن قناعة راسخة بأن هذا الوطن يجب أن يسترد حريته و يحافظ على حضارته، وأن يعيش أبناؤه بسلام وتقدم، وما وصل الفرنسيون إلى دولة المؤسسات والحريات اليوم إلا بتضحيات أولئك الذين أدركوا قيمة وطنهم.
ولا يكتمل فهم المشهد دون الإشارة إلى الإخفاقات السياسية والحكومية التي تراكمت في السنوات الأخيرة، والتي تزامنت مع أزمات اقتصادية وجيوسياسية دولية طاحنة؛ بدءاً من التبعات الثقيلة لجائحة كوفيد-19، مروراً بالتداعيات المباشرة للحرب الروسية الأوكرانية وتكاليف الطاقة الملتهبة، وصولاً إلى الأزمات المشتعلة في الشرق الأوسط، وما أحدثته هذه الأحداث متجمعة من ضغوط معيشية وتضخم أرهق كاهل المواطن والطبقات الوسطى والهشة.
ومن جانب آخر، تتفرد فرنسا عن غيرها من الدول الأوروبية بكونها البلد الوحيد تقريباً الذي يتسم بنظام استقبال وإيواء إنساني واسع للمهاجرين واللاجئين، ولا يلجأ لسياسات الترحيل القسري والطرد الفوري حيال من لا يملكون وثائق إقامة رسمية (Sans-papers)، على عكس الإجراءات المشددة والسياسات الصارمة التي تطبقها دول شمال أوروبا كالدول الإسكندنافية. ونتيجة للصراعات والحروب الأهلية والأزمات الاقتصادية الخانقة في دول عديدة كأفغانستان، والعراق، وسوريا، وليبيا، و العديد من دول أفريقيا جنوب الصحراء — وخاصة تلك التي تربطها بفرنسا روابط لغوية وثقافية فرنكوفونية وتعيش ضائقة اقتصادية حادة — أصبحت فرنسا المقصد الرئيسي لتدفقات الهجرة الكثيفة. لقد احتضنت فرنسا عشرات الآلاف من هؤلاء المهاجرين، ووفرت لهم الإعانات والمظلة الصحية وحقوق الإقامة والعمل والتعليم المجاني، رغم ما يشكله ذلك من عبء كبير على كاهل الخدمة العامة والبنية التحتية و تهديد للوضع الأمني لا سيما و انها تعرضت لكثير من العمليات الارهابية على أيدي مهاجرين أو فرنسيين من اصول اجنبية احتضنتهم فرنسا و وفرت لهم سبل العيش الكريم لكنهم عضوا اليد التي إمتدت لهم بدلا من تقبيلها ومن تلك الحوادث الارهابية المؤلمة الاعتداء الارهابي في مدينة نيس والذي راح ضحيته اكثر من ثمانين شخصا و عشرات الجرحى على يد مهاجر من اصول تونسية.
لكن الإعلام، بآلياته البحثية عن الإثارة ونسب المشاهدة، يعمد غالباً نحو اجتزاء الصورة وتسليط الضوء الحصري على السلبيات، مبالغاً في إظهار فرنسا وكأنها على أعتاب الفوضى العارمة.
إن الحقيقة الميدانية لما جرى مؤخراً تتلخص في حراك واحتجاج اجتماعي ومطلبي يتعلق بواقع المدارس والمنظومة التعليمية في الضواحي الباريسية. نعم، لا نقول إن تلك المدارس متهالكة أو مدمرة كالمدارس التي نعاني منها في بلداننا، بل هي مدارس قائمة وتعمل، لكنها تفتقر لبعض التجهيزات والكوادر والإمكانات الحديثة عند مقارنتها بالمدارس الواقعة في قلب العاصمة باريس.
وسرعان ما دخلت على خط الأزمة التيارات القائمة و الكتل السياسية المتنافسة مع قرب الاستحقاقات الانتخابية، حيث سعت كل جهة لاستغلال الحراك كأداة للدعاية الحزبية وتبادل الاتهامات حول من يتحمل مسؤولية الأزمة أو يذكي نارها. وفي وسط هذه الأجواء، وكما يحدث في أي حراك جماهيري في أي بقعة من بقاع العالم، اندفعت فئات من الانتهازيين والسراق والمخربين الذين لا يعنيهم مطالب الطلاب ولا مستقبل التعليم، للعبث والاعتداء على المال العام واستغلال الانشغال الأمني.
سينقضي الغبار والجدل، و تتجاوز فرنسا أزمتها كما تجاوزت غيرها من قبل، ويبقى (الإعلام الأعمى) يحمل نظارته السوداء، عاجزاً عن قراءة عمق هذا المجتمع ونبض الشارع الفرنسي الأصيل.





