العراق.. ثروات هائلة وأسئلة مؤجلة

هيئة التحريرمنذ ساعة واحدةآخر تحديث :
العراق.. ثروات هائلة وأسئلة مؤجلة

مناضل التميمي

ثمة لحظة في عمر الدول يصبح فيها تبرير الإخفاق أكثر كلفة من الاعتراف به، والعراق بعد سنوات طويلة من الأزمات، لم يعد بحاجة إلى مزيد من التشخيص، بقدر حاجته إلى إرادة سياسية قادرة على تحويل الإمكانات إلى إنجازات، وإلى رؤية واضحة تضع مصلحة المواطن فوق الحسابات الضيقة، لهذا لم تعد التدخلات الخارجية اكتشافاً جديداً، ولا الفساد مفاجأة، ولا سوء الإدارة حادثاً عابراً، وإذا كانت أسباب التعثر معروفة منذ سنوات، فلماذا بقيت النتائج على حالها؟ ولماذا تتكرر الأخطاء نفسها من دون مراجعة جادة أو محاسبة حقيقية؟

 

السيادة ليست بياناً سياسياً ولا خطاباً للاستهلاك الإعلامي، إنها قرار وطني مستقل، وقانون يُطبّق على الجميع، ومال عام مصان من الهدر، ومؤسسات تُدار بالكفاءة لا بالولاء، أما أن نطالب العالم باحترام سيادتنا، ونعجز عن فرض القانون داخل مؤسساتنا، فهذه مفارقة تستحق أكثر من التصفيق، وتحتاج إلى مراجعة صريحة لا إلى شعارات جديدة، وبما يملكه العراق من ثروات وإمكانات، كان يفترض أن تكون حصيلة سنواته أكثر سخاءً مع مواطنيه، لكن الحكومات تتغير، والوجوه تتبدل، والشعارات تتجدد، فيما يكتشف المواطن أن المشكلة القديمة ما زالت ترتدي ثوباً جديداً، وأن الوعود لا تزال أطول من قوائم الإنجاز.

 

وفي السياسة العراقية، تبدو المسؤولية ككرة يتقاذفها السابق واللاحق، الجميع يملك تفسيراً للفشل، لكن قلّما نجد مَن يقدّم حساباً واضحاً عن نتائجه، أما المواطن، فيبقى الطرف الوحيد الذي يدفع الفاتورة كاملة، من تراجع الخدمات إلى ضيق فرص العمل وارتفاع كلفة الحياة، لا أحد يطالب بحلول سحرية، ولا ينكر تعقيدات الواقع الداخلي والخارجي، لكن ثمة فرقاً بين صعوبات تفرضها الظروف، وأخرى تنتجها الإدارة المرتبكة، وبين عجز مؤقت يتحول إلى نهج دائم، كما أن الأعتراف بالمشكلة لا يكفي ما لم يتبعه برنامج عملي، بجدول زمني واضح، ومؤشرات يمكن للناس قياسها ومحاسبة المسؤولين عليها.

 

إن احترام الشعب لا يكون بكثرة الحديث عنه، بل بحماية ثرواته، وتحسين خدماته، وضمان تكافؤ الفرص أمام أبنائه، ومحاسبة مَن يسيء استخدام السلطة، أما مطالبة المواطن بالصبر في كل مرة، فهي ليست سياسة، بل تأجيل مستمر لإستحقاقات لا تسقط بالتقادم، فالصبر حين لا يرافقه إصلاح يتحول إلى عبء إضافي على الناس، ويعمّق الفجوة بين الدولة ومواطنيها.

 

لقد سمع العراقيون ما يكفي من الكلام عن المستقبل، وحان الوقت لأن تنتقل السلطة من شرح أسباب الإخفاق إلى معالجة نتائجه، فالدولة لا تُقاس بما تقوله عن نفسها، بل بما تحققه لمواطنيها، وبقدرتها على جعل القانون أقوى من النفوذ، والمصلحة العامة أعلى من الحسابات السياسية، وهذا يتطلب مؤسسات رقابية مستقلة، وإدارة شفافة للمال العام، وقراراً لا يتردد في مواجهة شبكات المصالح مهما كانت مواقعها، فالأوطان لا تنهض بتدوير الأزمات، بل بشجاعة مواجهتها، ولا تستعيد ثقة شعوبها بكثرة الوعود، بل بإنجازات تجعل الانتظار أقل، والأمل أكثر واقعية، والعراق بما يملكه من تاريخ وطاقات بشرية وثروات، يستحق دولة تفتح أبواب المستقبل بالفعل، لا بمجرد الحديث عنه.

اترك تعليق

يجب ان تسجل الدخول لكي تتمكن من إضافة التعليقات

عاجل !!