العراق وسوريا (٣)
من جغرافيا داعش إلى جغرافيا التعاون الحضاري
محمد عبد الجبار الشبوط
من المفارقات التاريخية المؤلمة في العلاقات العراقية السورية أن تنظيم داعش الإرهابي أدرك، من زاويته العسكرية والتوسعية، بعض الحقائق الجيوسياسية المتعلقة بالترابط الجغرافي والبشري بين العراق وسوريا، واستطاع استغلالها لإقامة كيان عابر للحدود على أراضٍ اقتطعها بالقوة من الدولتين، في حين لم تتمكن الحكومات المتعاقبة في بغداد ودمشق من استثمار هذا الترابط بالقدر الكافي لإقامة منظومة مستدامة من التعاون الاقتصادي والإنتاجي والأمني والاجتماعي، تعود منافعها على الشعبين وتمنع تحول المناطق الحدودية إلى ساحات للفراغ الأمني والصراع المسلح.
ولا تعني هذه المفارقة أن داعش امتلك رؤية استراتيجية متفوقة على الدولتين، أو أنه أدرك مفهوم التكامل الحضاري بين الشعوب، وإنما تعني أنه استغل حقيقة جغرافية قائمة، هي أن العراق وسوريا يشكلان مجالاً متصلاً تتداخل فيه الطرق والمواصلات والتجمعات السكانية والعلاقات الاجتماعية والاقتصادية، وأن الحدود السياسية، على أهميتها القانونية والسيادية، لا تلغي هذا الترابط الطبيعي والتاريخي.
لقد استغل التنظيم انهيار مؤسسات الدولة في مناطق واسعة من سوريا، وضعف السيطرة الأمنية والعسكرية في أجزاء من العراق، واستطاع في حزيران ٢٠١٤ السيطرة على الموصل، ثم أعلن ما سماه «الخلافة» على مناطق واسعة من البلدين، واتخذ من الموصل والرقة مركزين رئيسيين لسلطته الإرهابية. ولم يكن اختياره لهذا المجال الجغرافي مصادفة، لأن الاتصال بين الأراضي التي سيطر عليها وفر له إمكانات الحركة ونقل المقاتلين والأسلحة والموارد، وتنظيم خطوط الإمداد والاتصال، وإقامة سلطة قسرية تجاوزت الحدود الدولية المعترف بها.
وقد قدم التنظيم إزالة الحدود بين العراق وسوريا باعتبارها إنجازاً أيديولوجياً ورمزياً، لكنه لم ينشئ فضاءً إنسانياً مشتركاً، وإنما أقام نظاماً قائماً على الإرهاب والإكراه والتمييز والقتل والتهجير والاستعباد. وبذلك تحولت الجغرافيا المشتركة، التي كان يمكن أن تكون مجالاً للإنتاج والتجارة والتواصل الإنساني، إلى قاعدة لواحدة من أكثر التجارب تدميراً في تاريخ المنطقة المعاصر.
وهنا تبرز المسألة الاستراتيجية التي تستحق البحث: كيف استطاع تنظيم إرهابي أن يستفيد من الترابط الجغرافي بين العراق وسوريا في بناء مشروعه المدمر، بينما بقيت إمكانات هذا الترابط الاقتصادي والاجتماعي والسياسي أقل بكثير من طاقتها الفعلية في ظل الدولتين الوطنيتين؟
لا تكمن الإجابة في الجغرافيا وحدها، وإنما في العلاقة بين الجغرافيا والدولة والمجتمع والقدرة على التنظيم. فالموقع الجغرافي لا ينتج القوة تلقائياً، والحدود المشتركة لا تنشئ التكامل بمجرد وجودها، والموارد الاقتصادية لا تتحول إلى ثروة مستدامة ما لم توجد مؤسسات قادرة على تنظيم استخدامها. وقد استطاع داعش، في ظروف استثنائية من انهيار السلطة وتفكك المؤسسات، أن يوظف الجغرافيا لأغراض عسكرية قسرية، بينما يتطلب توظيفها في التنمية والتكامل بناء مؤسسات مستقرة واتفاقات قانونية واستثمارات طويلة الأمد وثقة متبادلة بين الدول والمجتمعات.
ومن هنا فإن المقارنة بين تجربة داعش ومشروع التعاون العراقي السوري ليست مقارنة بين مشروعين متكافئين، وإنما هي مقارنة بين طريقتين متناقضتين جذرياً في التعامل مع المجال الجغرافي نفسه: طريقة تستخدم القوة والعنف لإخضاع الإنسان والموارد والأرض، وطريقة تستهدف تنظيم العلاقات بين الدول والمجتمعات على أساس الحقوق والمصالح المشتركة والإنتاج والاستقرار.
وتزداد أهمية هذه المقارنة عندما نلاحظ أن التنظيم لم يستفد من الموقع الجغرافي وحده، وإنما استفاد أيضاً من هشاشة العلاقة بين الدولة والمجتمع، ومن الانقسامات السياسية والاجتماعية، ومن ضعف المؤسسات المحلية، ومن عجز السلطات عن توفير الأمن والعدالة والخدمات في بعض المناطق. وقد أظهرت الدراسات المتعلقة بصعود التنظيم أن سيطرته لم تكن مجرد نتيجة لتفوق عسكري، وإنما ارتبطت أيضاً بالفراغات السياسية والأمنية التي نشأت في البلدين، وبقدرته على استغلال التوترات المحلية وتحويلها إلى أدوات للتوسع والسيطرة. DOI +1
وهذا يقودنا إلى نتيجة مهمة: إن حماية الحدود تبدأ من قوة الدولة وعدالة علاقتها بمواطنيها، ولا تنتهي عند نشر القوات العسكرية على خطوطها. فالدولة التي تتمتع بمؤسسات فعالة، وتوفر لمواطنيها الأمن والخدمات والفرص الاقتصادية، وتضمن مشاركتهم في الحياة العامة، تكون أقدر على حماية سيادتها من الدولة التي تكتفي بإجراءات السيطرة الأمنية، بينما تبقى المناطق الحدودية تعاني من التهميش والفقر وضعف الخدمات.
ولعل منطقة القائم العراقية والبوكمال السورية تقدم مثالاً واضحاً على هذه العلاقة المركبة بين الجغرافيا والأمن والمجتمع. فالمدينتان تقعان على جانبي الحدود، وتربطهما امتدادات اجتماعية واقتصادية وتاريخية، وكانتا جزءاً من شبكة حركة وتجارة تتجاوز الحدود السياسية. لكن الصراعات المتعاقبة حولت هذا المجال إلى منطقة شديدة الحساسية، استغلتها التنظيمات المسلحة وشبكات التهريب والقوى المتنافسة على النفوذ.
وقد تناولت دراسة لمركز كارنيغي سنة ٢٠٢٠ التحولات التي شهدتها الحدود العراقية السورية، مبينة كيف أدى التنافس بين الحكومات، ثم الحروب بعد سنة ٢٠٠٣، ثم الحرب السورية، إلى تغيير وظائف الحدود وتحويلها من مجال للفصل بين دولتين إلى مجال تتداخل فيه أنشطة القوى المسلحة والفاعلين المحليين والإقليميين. Carnegie Endowment for International Peace +1
وتكشف هذه التجربة أن الحدود ليست مجرد خطوط ترسم على الخرائط، وإنما هي مؤسسات وعلاقات اجتماعية واقتصادية وأمنية. فقد تكون الحدود محمية عسكرياً، لكنها تبقى هشة إذا كانت المجتمعات المحيطة بها محرومة من التنمية، وإذا كانت الأنشطة الاقتصادية المشروعة عاجزة عن منافسة اقتصاد التهريب والعنف، وإذا لم تكن المؤسسات الحكومية قادرة على تنظيم الحركة والتجارة وحماية حقوق السكان.
ولهذا فإن إعادة بناء العلاقات العراقية السورية ينبغي أن تبدأ بإعادة النظر في الوظيفة الاستراتيجية للمناطق الحدودية. فبدلاً من التعامل معها بوصفها أطرافاً بعيدة عن مراكز القرار والتنمية، يمكن تحويلها إلى مناطق اتصال اقتصادي وإنتاجي، تستفيد من موقعها بين البلدين، وتضم معابر تجارية منظمة ومناطق صناعية وخدمات لوجستية ومشروعات زراعية ومؤسسات تعليمية وصحية مشتركة، بما يوفر للسكان مصالح مباشرة في الاستقرار والتعاون.
ولا يتعلق الأمر بإلغاء الحدود أو إضعاف السيادة الوطنية، وإنما بإعادة تعريف وظيفة الحدود، بحيث تبقى خطوطاً قانونية واضحة للفصل بين اختصاصات الدولتين، لكنها لا تتحول إلى حواجز تعطل المصالح المشروعة بين المجتمعين. فالدولة القوية ليست بالضرورة الدولة التي تغلق حدودها، وإنما الدولة التي تستطيع تنظيم الحركة عبرها، وحماية أمنها، والاستفادة من موقعها الاقتصادي، ومنع القوى غير القانونية من السيطرة عليها.
وقد شهد معبر القائم–البوكمال إعادة فتحه أمام التجارة والمسافرين في أيلول ٢٠١٩، بعد استعادة المنطقة من تنظيم داعش، ثم استؤنفت الحركة عبره في حزيران ٢٠٢٥ عقب فترة أخرى من الإغلاق. كما أعيد فتح معبر ربيعة–اليعربية في نيسان ٢٠٢٦ بعد سنوات طويلة من التعطيل. وتظهر هذه الوقائع أن استعادة المعابر تمثل خطوة ضرورية، لكنها لا تكفي وحدها لبناء منظومة تعاون متكاملة ما لم تقترن بتطوير البنية التحتية والإجراءات الجمركية والاستثمارات والحقوق المنظمة لحركة الأشخاص والبضائع. English.news.cn +2
ومن هنا تبرز الحاجة إلى الانتقال من مفهوم الأمن الحدودي المنفرد إلى مفهوم الأمن المشترك، لأن التهديدات العابرة للحدود لا تستطيع دولة واحدة معالجتها بصورة مكتملة، خصوصاً عندما تتداخل فيها الجماعات المسلحة وشبكات الجريمة المنظمة والتهريب وحركة السكان والموارد. ولا يعني الأمن المشترك إنشاء قيادة عسكرية موحدة أو التنازل عن الاختصاصات السيادية، وإنما يعني بناء منظومة دائمة لتبادل المعلومات والتنسيق الأمني وإدارة المعابر ومكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة، ضمن قواعد قانونية واضحة تحترم سيادة الدولتين.
لكن الأمن المشترك، على ضرورته، يمثل جانباً واحداً من المشروع الاستراتيجي المطلوب. فالتجربة العراقية السورية تكشف أن التعاون الأمني يحتاج إلى قاعدة اقتصادية واجتماعية تحميه، وأن استقرار المناطق الحدودية يرتبط بقدرة السكان على ممارسة حياة طبيعية منتجة، والحصول على فرص العمل والتعليم والخدمات، والمشاركة في إدارة شؤونهم المحلية.
ولهذا يمكن أن يشكل التعاون العراقي السوري في مجالات التجارة والطاقة والنقل والزراعة والصناعة وإعادة الإعمار امتداداً عملياً لمفهوم الأمن المشترك. فالمشروعات الاقتصادية لا توفر المنافع المالية وحدها، وإنما تنشئ أيضاً شبكة من المصالح تجعل تعطيل الحدود وعودة العنف أكثر كلفة على المجتمعين والدولتين.
وتبرز هنا أهمية الانتقال من العلاقات الاقتصادية التقليدية إلى التكامل الإنتاجي. فالمطلوب ليس مجرد زيادة حركة الشاحنات بين بغداد ودمشق، وإنما إنشاء مشروعات مشتركة تستفيد من الموارد العراقية والقدرات السورية والموقع الجغرافي للبلدين، وتوفر فرصاً جديدة للإنتاج والتشغيل والاستثمار. وعندما تتحول المناطق الحدودية إلى مراكز للإنتاج والتجارة والخدمات، فإنها تكتسب وظيفة استراتيجية مختلفة عن الوظيفة التي فرضتها عليها سنوات الحروب.
ويمكن أن تبدأ هذه العملية بإعداد برنامج عراقي سوري لتنمية المناطق الحدودية، يتضمن إعادة تأهيل الطرق والمعابر، وتطوير شبكات الكهرباء والاتصالات، وإقامة مناطق صناعية ولوجستية، وتنظيم التجارة المحلية، وتوفير التسهيلات القانونية للمشروعات المشتركة، مع تحديد مؤشرات واضحة لقياس النتائج، مثل حجم الاستثمارات وفرص العمل وقيمة المبادلات التجارية ومستوى الخدمات.
ولا بد أن يكون السكان المحليون شركاء في تصميم هذه المشروعات وتنفيذها، لأن التنمية التي تفرض من المراكز السياسية دون مراعاة حاجات المجتمعات المحلية قد تعيد إنتاج الاختلالات نفسها التي أسهمت في إضعاف العلاقة بين الدولة والمجتمع. ومن هنا فإن مشاركة المؤسسات المحلية والقطاع الخاص والجامعات والمنظمات المهنية تمثل شرطاً مهماً لبناء قاعدة اجتماعية مستدامة للتعاون.
غير أن المشروع الاستراتيجي العراقي السوري يستطيع أن يتجاوز هذه الحدود أيضاً، ليصبح نقطة انطلاق نحو تصور أوسع للعلاقات بين شعوب الشرق الأوسط. فالتجربة التي استغل فيها داعش الجغرافيا المشتركة لإقامة سلطة إرهابية عابرة للحدود تطرح، من حيث النقيض الحضاري، سؤالاً عن إمكان تحويل الجغرافيا نفسها إلى فضاء قانوني وإنساني للمصالح والحقوق المشتركة.
وهنا تبرز فكرة المواطنة الشرق أوسطية، التي تقوم على أن الإنسان يستطيع الاحتفاظ بمواطنته الوطنية وهوياته المتعددة، مع اكتساب حقوق إضافية في الحركة والعمل والإقامة والتعليم والاستثمار داخل الدول المشاركة في المشروع. ولا تنشأ هذه المواطنة بمجرد وجود روابط اجتماعية أو مصالح اقتصادية، وإنما تحتاج إلى اتفاقات قانونية ومؤسسات قادرة على حماية الحقوق وتنظيم الالتزامات المتبادلة.
ويمكن للعراق وسوريا أن يشكلا النواة الأولى لاختبار هذه الفكرة، من خلال الانتقال التدريجي من التعاون الاقتصادي والأمني إلى تنظيم حقوق متبادلة لمواطني البلدين، ثم توسيع التجربة بانضمام إيران والأردن في مرحلة لاحقة، قبل الانفتاح على بقية دول المنطقة. وبهذا يتحول الترابط الجغرافي من حقيقة تستغلها القوى المسلحة عند انهيار الدول، إلى قاعدة قانونية ومؤسسية للتعاون بين دول مستقلة ومجتمعات متساوية في الكرامة والحقوق.
والفارق الجوهري بين التجربتين أن داعش حاول إزالة الحدود بالقوة لإخضاع الإنسان لسلطته، بينما يقوم مشروع المواطنة الشرق أوسطية على احترام الحدود والسيادة الوطنية، وتنظيم العلاقات عبرها بإرادة الدول والمواطنين، وبموجب اتفاقات معلنة ومؤسسات مسؤولة وقوانين قابلة للتطبيق.
ومن منظور الفلسفة الحضارية، تقدم التجربتان مثالاً واضحاً على أن قيمة الفعل الإنساني لا تتحدد بقدرته على تحقيق أهدافه المباشرة وحدها، وإنما تتحدد أيضاً بطبيعة الأهداف التي يسعى إليها، والقيم التي تحكم وسائله، والنتائج التي يتركها في حياة الإنسان والمجتمع.
فقد استطاع داعش السيطرة على مساحات واسعة من الأرض، وفرض سلطته على ملايين البشر، والاستفادة من الموارد والممرات الجغرافية، لكنه لم ينتج بذلك تقدماً حضارياً، وإنما تسبب في هدر هائل للأرواح والموارد والعمران والزمن والقدرات البشرية. ولذلك فإن قدرته المؤقتة على السيطرة والتنظيم لا تمثل نجاحاً حضارياً، حتى لو حققت بعض أهدافه العسكرية المرحلية.
أما المشروع الحضاري للتعاون العراقي السوري، فإن نجاحه لا يقاس بمساحة الأراضي التي يربطها أو بعدد الاتفاقات التي يوقعها، وإنما بمقدار ما يضيفه إلى حياة الإنسان من أمن وحرية وعدالة وفرص إنتاجية، وبقدرته على تقليل الهدر وتعظيم القيمة المتحققة من الإنسان والأرض والزمن والعلم والعمل.
وهذا التمييز يكشف أيضاً حدود المقارنة بين الدولة والتنظيم الإرهابي. فالدولة الوطنية مطالبة بحماية سيادتها وحقوق مواطنيها وإدارة مواردها وفق القانون، بينما استطاع التنظيم الإرهابي أن يفرض قراراته بالعنف والإكراه دون أي التزام بالمشروعية الدستورية أو الحقوق الإنسانية. ولذلك فإن سرعة التنظيم في تجاوز الحدود لا يمكن اتخاذها معياراً للحكم على كفاءة الدول، وإنما تكشف أساساً عن خطورة الفراغات الأمنية والمؤسسية التي سمحت له بالتمدد.
لكن هذا التحفظ لا يلغي المسؤولية التاريخية للحكومات عن التأخر في بناء علاقات تعاون أكثر عمقاً واستدامة. فالتنافس السياسي بين بغداد ودمشق خلال عقود سابقة، وما أعقبه من حروب وصراعات إقليمية، أسهم في تعطيل إمكانات اقتصادية واجتماعية كان يمكن أن تجعل الحدود مجالاً للتنمية بدلاً من أن تبقى معرضة للتوتر والاضطراب.
ولذلك فإن الدرس الاستراتيجي الأهم لا يتمثل في أن داعش أدرك ما عجزت الدول عن إدراكه، وإنما في أن القوى الهدامة تستطيع استغلال الفراغات التي يتركها غياب المشروع التنموي والمؤسسي، وأن مواجهة هذه القوى لا تكتمل باستعادة السيطرة العسكرية على الأرض، بل تحتاج إلى إعادة بناء العلاقة بين الإنسان والدولة والمجتمع والجغرافيا.
لقد انتهت سيطرة داعش الإقليمية الواسعة، لكن السؤال الذي تطرحه تجربته ما زال قائماً: ماذا ينبغي أن تفعل الدولتان بالجغرافيا التي استعادتا السيطرة عليها؟ هل تعود الحدود إلى وظيفتها السابقة بوصفها خطوطاً للفصل والمراقبة والتنافس، أم تتحول إلى مجال منظم للتعاون الاقتصادي والاجتماعي والأمني؟
إن الإجابة عن هذا السؤال تحدد جانباً مهماً من مستقبل العلاقات العراقية السورية. فإذا اقتصرت العلاقة على التنسيق الأمني والزيارات الرسمية، فإنها ستظل معرضة للتغيرات السياسية والظروف الإقليمية. أما إذا تطورت إلى منظومة مؤسسية من المصالح الاقتصادية والإنتاجية والحقوق المتبادلة، فإنها تستطيع أن تكتسب قاعدة اجتماعية ومادية أوسع، تجعل استمرار التعاون مصلحة مستقرة للدولتين والشعبين.
والخلاصة الاستراتيجية أن تجربة داعش كشفت، بصورة مأساوية، أهمية الترابط الجغرافي بين العراق وسوريا، لكنها كشفت أيضاً خطورة ترك هذا الترابط دون مؤسسات وطنية قوية ومشروعات تنموية وعلاقات إقليمية منظمة. وقد آن الأوان لتحويل الدرس التاريخي من مجرد ذاكرة أمنية مؤلمة إلى رؤية استراتيجية جديدة، تجعل الجغرافيا المشتركة مصدراً للإنتاج والاستقرار والحقوق، بدلاً من أن تبقى مجالاً قابلاً للاستغلال من القوى المسلحة والمتنافسة.
إن العراق وسوريا لا يحتاجان إلى إزالة حدودهما، وإنما إلى إعادة تنظيم وظائفها، ولا يحتاجان إلى مشروع سياسي يلغي استقلالهما، وإنما إلى شراكة تعزز سيادتهما وتوسع فرص شعبيهما، ولا يحتاجان إلى استعادة الماضي، وإنما إلى بناء مستقبل تصبح فيه المصالح المشتركة أقوى من دوافع الصراع، والمؤسسات القانونية أقدر على تنظيم العلاقات من شبكات العنف والتهريب والنفوذ.
فالجغرافيا التي استخدمها داعش لإنتاج الموت والخراب يمكن أن تصبح، بإرادة الدولتين ومشاركة المجتمعين، مجالاً لإنتاج الحياة والثروة والاستقرار. وهذا هو الانتقال المنشود من جغرافيا الإرهاب إلى جغرافيا التعاون الحضاري، ومن الحدود التي تستنزف الإنسان إلى الحدود التي تفتح أمامه آفاقاً جديدة للعمل والإنتاج والمواطنة والحياة الطيبة.




