كرم نعمة
تبدو النبرة المظلومية التي تحدث بها رئيس الحكومة العراقية علي فالح الزيدي تحت قبة البرلمان محاولة مكشوفة لإعادة تدوير الأزمة البنيوية على شكل “صدمة خارجية” قاهرة. فحديثه عن خضوع العراق لـ “حصار اقتصادي” جراء إغلاق مضيق هرمز وتوقف شريان تصدير النفط ليس سوى سترة نجاة سياسية يحاول بها إخفاء الحقيقة الحارقة: العراق لا يعاني صدمة طارئة، بل يعاني عرياً مؤسسياً كاملاً كان يُغطى بسعر برميل النفط.
إن خطورة الرواية الحكومية لا تكمن في تبرير رفع سعر صرف الدولار إلى 1520 دينار فحسب، بل في مغالطة التناظر الإقليمي التي تتجاهلها بغداد. فدول الخليج العربي، التي تقف على خط التماس المباشر مع المواجهة الإقليمية، تعاني التعطيل ذاته—وبنسبٍ أشد حساسية—في حركة الملاحة والتصدير عبر مضيق هرمز. ومع ذلك، لم تنهر عملاتها الوطنية، ولم يخرج قادتها لوضع شحذ الخيارات بين الاستدانة أو اقتطاع رواتب الموظفين. والمفارقة هنا أن هذه الدول خاضت استثمارات استراتيجية طوال عقود في خطوط النقل البديلة، وبناء الصناديق السيادية، وتحصين أصولها، بينما اعتبر العراق نفسه “معافى” بمجرد تدفق السيولة الريعية إلى خزينةٍ تُدار بآليات المحاصصة.
تزداد الردة السياسية غلظة عند مفارقة الروايات داخل معسكر السلطة نفسه. كيف يمكن لجمهورٍ يُطلب منه اليوم تحمّل كلفة الانكماش أن يستوعب هذا التناقض الصارخ؟ بالأمس القريب، كانت حكومة محمد شياع السوداني تسوق خطاباً استعراضياً عن “التعافي المالي” و”المنجزات التنموية” والاستقرار النقدي. واليوم، يترجل الزيدي ليُعلن استلام تركةٍ خاوية، ومديونية تتجاوز 208 ترليونات دينار، مترافقاً مع عجزٍ شهري قدره 10 ترليونات دينار لمجرد سداد فاتورة الأجور العامة.
هذا التناقض يطرح السؤال السياسي الحاسم: من كان يضلل الشارع؟ هل كانت أرقام التعافي السابقة مجرد مساحيق تجميلية على جسدٍ مالي متهالك، أم أن الحكومة الحالية تستغل اللحظة الإقليمية لتغطية سوء إدارة ممتد؟
إن هذا التخبط المالي يتجاوز حدود العجز الفني ليرسم ملامح مأزق سيادي أعمق؛ مأزق ناتج عن تحويل العراق إلى غطاء مالي ومصرفي خلفي للشبكات الإقليمية عبر ما يعرف بـ “مزاد العملة” وسوق التهريب الموازي. فبينما تُغلق المنافذ الرسمية بدعوى الحظر وهشاشة المضائق، تظل القنوات الموازية لتسريب الدولار تدفقاً حياً لصالح قوى نافذة خارج حدود الدولة.
لقد اختارت الطبقة الحاكمة أن تبقي الجسد الاقتصادي العراقي بلا كوابح تحميه ولا خطوط دفاع استراتيجية، مفضلةً رهن القرار النقدي لتجاذبات الإقليم على حساب تحصين الخزينة الوطنية، مما جعل السيادة المالية مجرد وهم ينكشف عند أول قرع للطبول في المنطقة.
الحقيقة السياسية والميدانية تقول إن كليتهما “حكومتنا السوداني والزيدي” تُديران النموذج ذاته. العراق منذ عام 2003 جُرّد من أركان الدولة الإنتاجية؛ فلا قطاع صناعي يرفد الخزينة، ولا قطاع زراعي يحقق الحد الأدنى من الأمتار الغذائية، بل جرى تعميد البلد كسوقٍ استهلاكي حصري للبضائع والسلع القادمة من إيران تحديداً. لقد جرى تحويل الريع النفطي من أداة لبناء الدولة إلى “غنيمة نقدية” تُوزع على كارتيلات النفوذ لتمويل شبكات اللا-دولة.
علاوة على ذلك، يكشف التلويح بـ “الادخار الإجباري” أو المساس بقوت الطبقات الموظفة عن تآكل حاد في العقد الاجتماعي المهزوز بالأساس بين المواطن والنظام السياسي. فبدلاً من أن تبدأ الحكومة بتفكيك الامتيازات الفلكية لكبار مسؤوليها، وتجفيف منافذ الهدر الهيكلي في موازنات الهيئات غير الإنتاجية، تذهب رأسًا إلى جيب الموظف البسيط لجعله خط الدفاع الأخير عن إخفاقاتها.
إن تسييس لقمة العيش وتجويع الشارع تحت شماعة “الظروف الاستثنائية” ليس مجرد خيار مالي اضطراري، بل هو منطق سلطوي يكرّس التبعية ويستخدم الخوف من الانهيار الكامل كأداة لضبط الشارع وتحييد الغضب الشعبي.
لذا، فإن الحديث عن “حصار” يواجهه العراق هو ادعاءٌ يفتقر للواقعية؛ فالبلد ليس محاصراً دولياً، بل هو محاصر من الداخل بآليات نهبٍ منظمة جعلت ميزانيته معادلة صفرية: أنبوب النفط هو الدولة، متى ما توقف صمامه ينكشف الهيكل كاملاً.
إن قرار رفع سعر الصرف، والتهديد بالادخار الإجباري أو القروض، ليس حلاً مالياً بقدر ما هو إعلان إفلاسٍ سياسي ومؤسسي.
إن الطبقة الحاكمة في بغداد تجبر المواطن اليوم على دفع فاتورة عقدين من الفساد والتعطيل التعمدي لمؤسسات الإنتاج، مستغلةً التوترات الإقليمية شماعةً جاهزة لتمرير سياستها التجويعية.
لن يعيد الدولار إلى مستوياته، ولن ينقذ الدينار من الانحدار، ما لم تُقر بغداد بأن الأزمة لم تأتِ من البحر ولا من المضائق، بل خرجت من أروقة المحاصصة التي جردت العراق من كل شيء، وتركته بلا اقتصاد وبلا حماية.



