لسيادة من منظور الفلسفة الحضارية هل كان العراق محتلاً حتى «يوم السيادة»؟

هيئة التحريرمنذ ساعة واحدةآخر تحديث :
لسيادة من منظور الفلسفة الحضارية هل كان العراق محتلاً حتى «يوم السيادة»؟

محمد عبد الجبار الشبوط

يسعد العراقي، بطبيعة الحال، أن يحتفل بسيادة بلاده واستقلال قرارها واكتمال قدرتها على إدارة شؤونها وحماية أرضها وسمائها ومياهها بقدراتها ومؤسساتها الوطنية. ولا أجد في الاحتفال بانتهاء مهمة القوات الأجنبية في العراق ما يستوجب الاعتراض من حيث المبدأ، بل إن انتقال الدولة من الحاجة إلى المساعدة العسكرية الخارجية إلى القدرة على الاضطلاع بمسؤولياتها الأمنية بنفسها يمثل تطورًا إيجابيًا يستحق التقدير. لكن المشكلة تبدأ حين نطلق على يوم انتهاء مهمة التحالف الدولي اسم «يوم السيادة»، لأن هذه التسمية تستبطن معنى سياسيًا وقانونيًا يحتاج إلى التدقيق: هل كان العراق فاقدًا للسيادة قبل هذا اليوم؟ وهل كانت قوات التحالف الدولي قوات احتلال حتى يكون خروجها استعادة للسيادة؟

السؤال ليس لغويًا، ولا هو جدل في الأسماء، وإنما يتعلق بفهم معنى السيادة نفسه. ففي حزيران/يونيو 2014، حين اجتاح تنظيم داعش الموصل ومناطق واسعة من العراق، كانت الدولة العراقية تواجه تهديدًا وجوديًا خطيرًا، وكانت قدراتها العسكرية في تلك اللحظة عاجزة عن احتواء الانهيار المتسارع. وفي 25 حزيران طلبت الحكومة العراقية رسميًا «مساعدة عاجلة من المجتمع الدولي»، ثم أعادت في رسالة رسمية إلى مجلس الأمن في 20 أيلول/سبتمبر تأكيد طلبها دعم المجتمع الدولي للقضاء على داعش واستعادة الاستقرار، ورحبت بالمساعدة العسكرية، بما فيها الغطاء الجوي بالتنسيق مع القوات المسلحة العراقية ووفق القانون الدولي. وهذه ليست قراءة سياسية للحدث، وإنما واقعة موثقة في رسائل العراق الرسمية إلى الأمم المتحدة. (Digital Library⁠)

وهنا تقع العقدة المفهومية. فقوات التحالف التي شاركت العراق في الحرب على داعش لم تدخل البلاد سنة 2014 غازيةً لها، ولم تسقط حكومتها، ولم تفرض وجودها عليها بوصفها سلطة احتلال، وإنما جاءت استجابة لطلب صادر عن الحكومة العراقية المعترف بها دوليًا. ولذلك ينبغي عدم الخلط بين دخول القوات الأميركية إلى العراق سنة 2003 وبين عودتها سنة 2014. الأول وقع في سياق حرب انتهت بإسقاط النظام العراقي وقيام الاحتلال، أما الثاني فوقع في سياق دولة عراقية قائمة طلبت المساعدة العسكرية الدولية لمواجهة تنظيم مسلح احتل أجزاء واسعة من أراضيها.

ومن منظور الفلسفة الحضارية، لا تعني السيادة أن تعيش الدولة معزولة عن العالم، ولا أن تمتنع عن الاستعانة بغيرها في مواجهة الأخطار التي تتجاوز قدرتها الذاتية. السيادة، في معناها الأعمق، هي امتلاك القرار. والدولة تمارس سيادتها حين تقرر الحرب والسلم، وحين تعقد الاتفاقيات، وحين تطلب المساعدة، وحين تحدد شروط هذه المساعدة، وحين تقرر أن الحاجة إليها قد انتهت. ومن ثم فإن طلب العراق المساعدة الدولية سنة 2014 يمكن النظر إليه، من هذه الزاوية، بوصفه ممارسة لقرار سيادي اتخذته الدولة دفاعًا عن وجودها، لا بوصفه إلغاءً لسيادتها.

ولهذا يجب التمييز بين ثلاثة أشياء كثيرًا ما تختلط في الخطاب السياسي العراقي: الاحتلال، والوجود العسكري الأجنبي، والاستعانة العسكرية بدولة أخرى. الاحتلال حالة تفرض فيها قوة أجنبية وجودها وسلطتها على بلد آخر دون أن يستند ذلك الوجود إلى إرادة الدولة المحتلة. أما وجود قوات أجنبية استنادًا إلى اتفاق أو دعوة من حكومة الدولة المضيفة فلا يتحول، بمجرد كونه وجودًا عسكريًا أجنبيًا، إلى احتلال. وإلا لوجب اعتبار دول كثيرة في العالم دولًا محتلة لمجرد أنها تستضيف قوات أجنبية بموجب اتفاقيات أمنية ودفاعية.

وهذا لا يمنح أي قوة أجنبية صكًا مفتوحًا للتصرف داخل العراق. فالموافقة العراقية على مهمة محددة لا تعني الموافقة على كل فعل تقوم به الدولة الأجنبية. وكل عملية عسكرية أو أمنية تقع خارج حدود التفويض أو الاتفاق أو الموافقة العراقية تثير سؤالًا مستقلًا يتعلق بالسيادة، ويمكن أن تمثل انتهاكًا لها بحسب ظروفها وأساسها القانوني. ولذلك فإن الدفاع عن الدقة في توصيف مهمة التحالف لا يعني الدفاع عن كل السياسات الأميركية في العراق، مثلما أن الاعتراض على بعض تلك السياسات لا يحول تلقائيًا القوات التي استدعيت لمقاتلة داعش إلى قوات احتلال.

وفي 30 أيلول/سبتمبر 2026 انتهت مهمة التحالف وفق مسار متفاوض عليه بين بغداد وواشنطن، وانتقلت العلاقات الأمنية إلى صيغ ثنائية، وهو ما عرضته التصريحات العراقية نفسها باعتباره انتقالًا إلى مرحلة جديدة من المسؤولية الأمنية العراقية. وقد احتفت مؤسسات الدولة بالمناسبة تحت عنوان «يوم السيادة الوطني»، فيما ربطت تصريحات رسمية وسياسية انتهاء المهمة باستكمال السيادة الأمنية والعسكرية. (Iraq Parliament⁠) وهذا حدث مهم بلا شك، لكنه لا يغير طبيعة السؤال: إذا كانت الحكومة العراقية هي التي طلبت هذه القوات، وكانت مهمتها الأصلية مساعدة العراق على محاربة داعش، ثم تفاوضت الحكومة العراقية على إنهاء مهمتها، فكيف يصبح خروجها انتقالًا من «اللاسيادة» إلى «السيادة»؟

الأدق، في تقديري، أن نقول إن العراق انتقل من مرحلة الاستعانة العسكرية الدولية إلى مرحلة الاعتماد الأمني الأكبر على قدراته الذاتية. وهذا إنجاز يستحق الاحتفال، بل وربما يكون أكثر دلالة من تحويل المسألة إلى سردية تحرير من احتلال؛ لأن المعنى الحضاري للحدث يصبح عندئذ نمو قدرة الدولة العراقية، لا مجرد مغادرة جنود أجانب لأراضيها. فالسيادة في الفلسفة الحضارية ليست صورةً لجندي أجنبي يغادر الحدود، وإنما هي قدرة الدولة على إنتاج القرار وتنفيذه وحماية المجال الذي يسري فيه هذا القرار.

وهنا يقودنا الأمر إلى معيار أشد صرامة. فإذا أردنا الاحتفال بالسيادة العراقية فعلًا، فلا ينبغي اختزالها في انتهاء وجود قوات التحالف. السيادة تقتضي أن تكون الدولة صاحبة القرار النهائي في الحرب والسلم، وأن تحتكر القوة المسلحة المشروعة، وأن تسيطر على حدودها وأجوائها ومياهها، وألا توجد داخل أراضيها قوة تستطيع اتخاذ قرار عسكري مستقل عن مؤسساتها الدستورية، وألا تستطيع دولة أخرى أن تستخدم الأرض العراقية أو السماء العراقية دون إرادتها. وقد أشار الخطاب الرسمي العراقي نفسه في مناسبة انتهاء مهمة التحالف إلى ارتباط اكتمال السيادة بقوة الدولة ومؤسساتها وحصر قرارات الحرب والسلم بها. (شفق نيوز..⁠)

وهذا ينقل مفهوم السيادة من الشعار إلى المؤسسة. فقد تغادر آخر قوة عسكرية أجنبية ويبقى القرار الوطني مخترقًا، وقد توجد قوات أجنبية بموجب اتفاق معلن وتبقى الدولة صاحبة القرار السيادي. المعيار ليس جنسية الجندي الموجود على الأرض وحدها، وإنما من يملك القرار، ومن يملك القوة، ومن يضع القواعد، ومن يستطيع إنفاذها على الجميع.

إنني أرحب بأي يوم يحتفل فيه العراقيون بقوة دولتهم واستقلال قرارهم، لكنني لا افهم كيف  يتم بناء مفهوم السيادة على التباس تاريخي بين احتلال 2003 والاستعانة الدولية سنة 2014. الذين دخلوا العراق سنة 2003 لم يدخلوا بطلب من الحكومة العراقية، أما الذين عادوا سنة 2014 لمحاربة داعش فقد عادوا بطلب رسمي من الحكومة العراقية، وهذه حقيقة لا يصح محوها من الذاكرة السياسية لمجرد حاجتنا إلى صناعة مناسبة وطنية.

يوم السيادة الحقيقي، من منظور الفلسفة الحضارية، ليس مجرد يوم خروج آخر جندي أجنبي، وإنما اليوم الذي تصبح فيه الدولة العراقية قادرة على القول إن قرار العراق يصنعه العراق، وإن السلاح يخضع للدولة، وإن الحدود والسماء والأرض تخضع لسلطة الدولة، وإن قرار الحرب والسلم لا يصدر إلا عنها، وإن علاقاتها مع الدول الأخرى تقوم على الاختيار الحر والمصلحة المتبادلة. عندها لا تكون السيادة احتفالًا بيوم واحد من أيام السنة، وإنما تصبح صفة دائمة للدولة العراقية.

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

عاجل !!