بغداد – العالم
لم يغلق خروج آخر القوات الأميركية من العراق في 30 أيلول الماضي باب العلاقة بين بغداد وواشنطن، بل فتح مرحلة مختلفة من أدوات النفوذ والضغط، يتقدم فيها الملف الاقتصادي والمالي على الحضور العسكري، وسط تحركات تستهدف، بحسب تقارير ومصادر مطلعة، مراقبة الشبكات والشركات التي يُشتبه بارتباطها بفصائل مسلحة ومدى استفادتها من العقود الحكومية.
وبحسب ما تابعته «العالم»، فإن النقاش خلال المرحلة الحالية لا يتركز على العقود الجديدة فقط، بل يمتد إلى كيفية تحديد المستفيد الحقيقي من الأموال الحكومية، ومراجعة الشركات والمقاولين من الباطن وسلاسل التوريد والحسابات المرتبطة بالمشاريع، خصوصاً في قطاعات النفط والكهرباء والصحة التي تستحوذ على جانب مهم من الإنفاق العام.
وتشير المعلومات المتداولة إلى أن التدقيق يستهدف معرفة ما إذا كانت شركات مسجلة بصورة قانونية قد تشكل واجهات اقتصادية لجهات خاضعة للعقوبات الأميركية، وهي عملية تتطلب تجاوز اسم الشركة المتعاقدة إلى البحث في الملكية الفعلية والمستفيد النهائي والتحويلات المالية المرتبطة بالعقود.
وتكتسب هذه المسألة أهمية أكبر في ظل العقوبات الأميركية التي استهدفت خلال السنوات الأخيرة أشخاصاً وشركات مرتبطة بفصائل عراقية، إذ تقول وزارة الخزانة الأميركية إن بعض الكيانات المرتبطة بالحشد الشعبي استخدمت شركات وشبكات تعاقدية للحصول على إيرادات من المال العام. وكانت الخزانة قد فرضت عقوبات على «شركة المهندس العامة»، واتهمتها باستخدام أسلوب المقاولات من الباطن لتحويل أموال من عقود حكومية عراقية إلى شبكات مرتبطة بها. وهذه اتهامات أميركية، ولا تعادل بحد ذاتها حكماً قضائياً عراقياً.
وتبرز في هذا السياق مسألة «المستفيد الحقيقي»، وهي من أكثر الملفات حساسية في مكافحة غسل الأموال والفساد المالي. فوجود شركة بعقد حكومي لا يكشف بالضرورة الجهات التي تستفيد من كامل قيمة العقد، إذا كانت أجزاء من المشروع تنفذ عبر مقاولين ثانويين أو شركات وسيطة.
ولهذا فإن أي مراجعة فعلية للعقود ستحتاج إلى تتبع سلسلة الأموال منذ إبرام العقد وحتى الدفعات النهائية، ومقارنة أسماء الشركات والمساهمين والمقاولين والتحويلات المصرفية، وصولاً إلى معرفة ما إذا كانت هناك صلات بجهات مدرجة على قوائم العقوبات.
وفي حال ثبوت مخالفات قانونية، فإن الملف ينتقل من نطاق التدقيق الإداري إلى الجهات القضائية والرقابية العراقية المختصة، فيما يمكن أن تترتب على التعامل مع جهات خاضعة للعقوبات مخاطر إضافية على الشركات والمصارف التي تسهل معاملاتها.
ويحتل قطاع النفط موقعاً مركزياً في هذه المعادلة، نظراً إلى حجم الإيرادات التي يوفرها للخزينة العراقية، فضلاً عن ارتباط تدفقات الدولار العراقي بالنظام المالي الدولي.
وكشفت «رويترز» في 30 أيلول أن عائدات صادرات النفط العراقية ما تزال تمر عبر ترتيبات مالية مرتبطة بحساب البنك المركزي العراقي لدى بنك الاحتياطي الفيدرالي في نيويورك، وهو نظام يعود في جذوره إلى مرحلة ما بعد 2003، ويؤدي دوراً في حماية أموال النفط العراقي وتسهيل التعاملات الدولية بالدولار. وبحسب التقرير، فإن النفط يمثل نحو 90 في المئة من إيرادات الموازنة العراقية، ما يمنح النظام المالي المرتبط بالدولار أهمية كبيرة في العلاقة الاقتصادية بين بغداد وواشنطن.
ولا يعني ذلك أن الولايات المتحدة تتولى إدارة الإنفاق الحكومي العراقي بصورة مباشرة، لكن قدرة المؤسسات المالية الأميركية على فرض عقوبات أو تقييد التعامل بالدولار تمنح واشنطن أداة مؤثرة في ملاحقة الشبكات المالية التي تستهدفها.
وخلال الفترة الماضية، اتسع نطاق العقوبات الأميركية من استهداف قيادات وشخصيات مرتبطة بالفصائل إلى شركات ووسطاء وشبكات مالية. وفي هذا السياق، أعلنت وزارة الخزانة الأميركية في مناسبات مختلفة إجراءات ضد كيانات عراقية اتهمتها بدعم جماعات مرتبطة بإيران أو بتسهيل عمليات مالية لصالحها.
كما سبق أن استهدفت العقوبات الأميركية شخصيات وشركات في القطاع النفطي العراقي، مع توجيه اتهامات باستغلال مواقع أو شبكات تجارية لتحقيق إيرادات غير مشروعة أو الالتفاف على العقوبات المفروضة على إيران. وتبقى هذه الاتهامات، في كل حالة، خاضعة للإجراءات القانونية والجهات المختصة لإثباتها أو نفيها.
وبحسب ما تابعته «العالم»، فإن هذا المسار يعكس تغيراً في طبيعة المواجهة الاقتصادية؛ فبدلاً من الاقتصار على تجميد أصول أفراد، أصبحت العقوبات تركز بصورة أكبر على العلاقات بين الشخص والشركة والمصرف والعقد الحكومي.
وتأتي هذه التطورات بعد اكتمال انسحاب القوات الأميركية من العراق وانتهاء مهمة التحالف الدولي العسكرية، ما جعل الأدوات الاقتصادية والمالية أكثر حضوراً في النقاش حول مستقبل العلاقة بين البلدين.
فالانسحاب العسكري لا يعني انتهاء التعاون الأميركي ـ العراقي، إذ تستمر العلاقات الدبلوماسية والاقتصادية والأمنية ضمن أطر جديدة. وفي الوقت نفسه، وقع العراق خلال الأشهر الماضية عشرات الاتفاقيات ومذكرات التفاهم والشراكات مع شركات أميركية في قطاعات النفط والكهرباء والتكنولوجيا والصحة، ما يعكس استمرار المصالح الاقتصادية المشتركة.
وفي المقابل، تتزايد حساسية ملف العقود الحكومية بسبب اتساع حجم الاستثمارات والمشاريع المقبلة، الأمر الذي يجعل الشفافية في الإحالة والتنفيذ والمقاولات الثانوية جزءاً أساسياً من حماية المال العام.
وتبرز هنا مسؤولية المؤسسات العراقية الرقابية والمالية، وفي مقدمتها البنك المركزي وهيئات النزاهة والرقابة والجهات المختصة بالعقود الحكومية، في ضمان أن تكون مراجعة الشركات والعقود قائمة على القانون والأدلة، بعيداً عن الاستهداف السياسي أو التعميم.
ويعتقد باحثون أن التعامل مع اقتصاد الفصائل، إذا ثبت وجود شبكات اقتصادية مرتبطة بها، لا يمكن أن يقتصر على منع شركة واحدة من الحصول على عقد أو فرض عقوبة على مصرف أو شخصية، بل يتطلب تعزيز قواعد الشفافية في العقود الحكومية ومعرفة المستفيد الحقيقي من الشركات ومراقبة عمليات غسل الأموال وتمويل الأنشطة غير المشروعة.
وتزداد أهمية هذا المسار مع استمرار الجدل السياسي بشأن حصر السلاح بيد الدولة، إذ إن قدرة أي جماعة مسلحة على الاحتفاظ بمصادر تمويل مستقلة يمكن أن تؤثر في مدى فاعلية الإجراءات الرامية إلى تنظيم السلاح والنشاط الأمني ضمن مؤسسات الدولة.
وبحسب ما تابعته «العالم»، فإن بعض القوى المرتبطة بالفصائل طرحت في الأيام الأخيرة انتقادات للترتيبات المالية الأميركية المتعلقة بعائدات النفط، وربطت شخصيات سياسية قريبة منها مسألة الاستقلال المالي للعراق بملف السلاح، في حين تؤكد الحكومة أن معالجة الملف الأمني تجري ضمن مسار عراقي ودستوري.
وهكذا، تبدو مرحلة ما بعد الانسحاب الأميركي أمام مسارين متوازيين: عراق يحاول تعزيز قراره الأمني والمالي عبر مؤسساته، وواشنطن تحتفظ بأدوات اقتصادية ومالية يمكن استخدامها لملاحقة شبكات تقول إنها مرتبطة بجهات خاضعة للعقوبات.





