بغداد – العالم
لم تعد أزمة المياه في العراق مرتبطة فقط بانخفاض مناسيب الأنهار والبحيرات، إذ تتجه الأنظار بصورة متزايدة إلى مورد أقل ظهوراً وأكثر حساسية، هو المياه الجوفية التي تمثل احتياطياً استراتيجياً تعتمد عليه مساحات واسعة من البلاد للشرب والزراعة والاستخدامات الصناعية. ومع استمرار سحب كميات تفوق معدلات التغذية الطبيعية، تبرز مخاوف من أن يتحول هذا المخزون إلى ثروة مستنزفة يصعب تعويضها في المستقبل.
وتابعت «العالم» ملف المياه الجوفية، وسط تحذيرات رسمية وخبراء من انخفاض سنوي في مناسيب الخزانات الجوفية، نتيجة استمرار عمليات السحب مقابل محدودية التغذية الطبيعية. وتشير البيانات المتاحة إلى وجود أكثر من 90 ألف بئر مسجلة في العراق، باستثناء إقليم كردستان، تستخدم لأغراض زراعية وصناعية ومنزلية، وهو رقم يعكس حجم الاعتماد على المياه الجوفية، لكنه يكشف في الوقت نفسه حجم الضغط الواقع على الخزانات.
وتزداد أهمية هذه المياه في المناطق التي تعاني شحاً في مصادر المياه السطحية، إذ أصبحت الزراعة في مساحات واسعة تعتمد عليها بصورة مباشرة لتوفير احتياجات الري. وتشير المعطيات إلى أن ملايين الدونمات من الأراضي الزراعية تعتمد على المياه الجوفية، الأمر الذي يجعل أي انخفاض مستمر في مناسيبها قضية تتجاوز الجانب البيئي لتصل إلى الأمن الغذائي واستقرار المجتمعات الريفية.
وتختلف قدرة الخزانات على التعويض من منطقة إلى أخرى. فقد ساهمت الأمطار في تغذية بعض المناطق الشرقية والحدودية، فضلاً عن أجزاء من نينوى وكركوك وصلاح الدين، إلا أن تأثيرها يبقى محدوداً في مناطق أخرى، خصوصاً الصحراء الغربية والجنوبية، حيث توجد الخزانات على أعماق كبيرة، ولا تصل إليها كميات كافية من مياه الأمطار لتعويض ما يتم سحبه منها.
وتكشف هذه الفوارق أن التعامل مع المياه الجوفية باعتبارها مخزوناً واحداً يمكن إدارته بالطريقة نفسها في جميع المحافظات قد يؤدي إلى نتائج غير دقيقة. فكل حوض مائي يمتلك خصائص مختلفة من حيث العمق ومعدلات التغذية ونوعية المياه وحجم السحب، وبالتالي يحتاج إلى خطة إدارة تتناسب مع طبيعته.
ورصدت «العالم» أن المشكلة لا تكمن في عدد الآبار وحده، بل في طبيعة استخدامها ومعدلات السحب منها. فزيادة عدد الآبار، إذا لم تترافق مع رقابة دقيقة على كميات المياه المستخرجة، يمكن أن ترفع الضغط على الخزانات وتسرع انخفاض مناسيبها، خصوصاً في المناطق التي لا تحصل على تغذية طبيعية كافية.
ويحذر مختصون من أن استمرار الاستنزاف لا ينعكس فقط على انخفاض مستوى المياه، وإنما قد يؤدي أيضاً إلى زيادة أعماق الآبار وارتفاع كلفة استخراج المياه. وفي بعض المناطق قد يصبح الوصول إلى المياه أكثر صعوبة، الأمر الذي يضيف أعباء مالية على المزارعين والسكان، ويجعل النشاط الزراعي نفسه أكثر كلفة وأقل استقراراً.
ولا تقف المخاطر عند حدود الكمية، إذ يمكن أن يمتد أثر الاستنزاف إلى نوعية المياه أيضاً. ومع انخفاض مناسيب بعض الخزانات قد تتغير خصائص المياه أو تزداد احتمالات وصول مياه أقل جودة إليها، ما يفرض الحاجة إلى مراقبة مستمرة ليس للمناسيب فقط، وإنما للنوعية الكيميائية والفيزيائية للمياه المستخرجة.
ويأتي ذلك في وقت يواجه فيه العراق ضغوطاً متزايدة بسبب التغير المناخي والجفاف وارتفاع درجات الحرارة وتراجع معدلات الأمطار في مواسم مختلفة. وتزيد هذه العوامل من اعتماد المناطق المتضررة على المياه الجوفية، ما يخلق حلقة متصاعدة: كلما تراجعت المياه السطحية، ارتفع السحب من الخزانات الجوفية، وكلما ارتفع السحب، تراجعت قدرتها على الاستمرار كمخزون استراتيجي.
ويطرح هذا الواقع الحاجة إلى الانتقال من سياسة التعامل مع الآبار بصورة منفردة إلى إدارة متكاملة للأحواض الجوفية. ويشمل ذلك تحديد معدلات سحب آمنة لكل منطقة، وتشديد الرقابة على الآبار غير المرخصة، وتنظيم منح إجازات الحفر، وإجراء مسوحات دورية لمستويات المياه ونوعيتها.
كما تمثل الزراعة محوراً أساسياً في أي خطة لإنقاذ المخزون الجوفي، إذ يمكن لتقنيات الري الحديثة وتقليل الهدر وتحسين اختيار المحاصيل أن تخفض الطلب على المياه وتمنح الخزانات فرصة أكبر للتعافي. ولا يمكن حماية المياه الجوفية من خلال منع السحب فقط، لأن جزءاً كبيراً من النشاط الزراعي يعتمد عليها، وإنما من خلال رفع كفاءة استخدام كل قطرة يتم استخراجها.
وتحتاج الدولة كذلك إلى قاعدة بيانات وطنية دقيقة توضح مواقع الآبار وأعماقها وكميات السحب ومعدلات التغذية في كل حوض، لأن غياب المعلومات الدقيقة يجعل إدارة المورد المائي أقرب إلى ردود الفعل منها إلى التخطيط طويل الأمد.
إن المياه الجوفية ليست مورداً غير محدود يمكن اللجوء إليه كلما انخفضت مناسيب الأنهار، بل احتياطي استراتيجي تشكل عبر فترات زمنية طويلة وقد يحتاج إلى سنوات طويلة حتى يستعيد جزءاً من مخزونه. ولذلك فإن التحدي الحقيقي أمام العراق لا يتمثل في حفر المزيد من الآبار، وإنما في معرفة الحدود التي يمكن سحب المياه عندها من دون تحويل الاحتياطي الجوفي إلى ثروة مستنزفة.
وفي بلد تتزايد فيه آثار الجفاف والتغير المناخي، فإن حماية المياه الموجودة تحت الأرض لا تقل أهمية عن حماية دجلة والفرات. فالمعركة المقبلة على المياه قد لا تكون مرئية فوق سطح الأرض، لكنها ستحدد بصورة مباشرة قدرة العراق على الحفاظ على الزراعة والسكان والاستقرار البيئي خلال السنوات المقبلة.




