بغداد – العالم
عاد الخلاف حول تمثيل المكون المسيحي في الحكومة العراقية إلى الواجهة، مع استمرار النزاع على وزارة الهجرة والمهجرين، في صراع يتجاوز اختيار شخصية لشغل حقيبة وزارية إلى جدل أوسع بشأن الجهة التي تملك حق تمثيل المسيحيين، ومدى قدرة القوى السياسية الأكبر على التأثير في مقاعد الكوتا وقرارات المكونات داخل البرلمان.
ورصدت «العالم» أن الخلاف يتمحور بصورة أساسية بين كتلة «صويانا» وحركة «بابليون»، وسط تباين في قراءة نتائج الانتخابات وآلية توزيع الاستحقاقات الحكومية. وتمتلك «صويانا» ثلاثة مقاعد من أصل خمسة مخصصة للمسيحيين في مجلس النواب، مقابل مقعدين لحركة «بابليون»، الأمر الذي دفع الأولى إلى المطالبة بانعكاس نتائج الانتخابات على التمثيل الحكومي، فيما تتمسك الثانية بأحقيتها في الاحتفاظ بوزارة الهجرة والمهجرين.
ويقول رئيس كتلة «صويانا» النيابية كلدو رمزي، في تصريحات تابعتها «العالم»، إن التمثيل الوزاري يجب أن يعكس الوزن الانتخابي داخل المكون، منتقداً منح المناصب المخصصة للمسيحيين لجهة لا تمتلك الأغلبية النيابية بينهم. كما اعترض على ترشيح شخصية تربطها صلة عائلية بمسؤول في الوقف المسيحي وقيادي في «بابليون»، معتبراً أن جمع أكثر من منصب رفيع داخل عائلة واحدة يثير علامات استفهام سياسية وإدارية.
وفي المقابل، تتهم «بابليون» الحزب الديمقراطي الكردستاني بمحاولة فرض نفوذه على التمثيل المسيحي من خلال التأثير في انتخابات مقاعد الكوتا. وقال القيادي في الحركة ربيع صوران، في تصريحات تابعتها «العالم»، إن النواب الفائزين عن «صويانا» حصلوا، بحسب رأيه، على جزء مهم من أصوات ناخبين من خارج المكون المسيحي، ولا سيما من الأكراد وأفراد الأجهزة الأمنية والبيشمركة، معتبراً أن ذلك لا يمنحهم بالضرورة حق الادعاء بتمثيل الإرادة السياسية للمسيحيين.
ويكشف هذا السجال عن مشكلة أعمق في نظام الكوتا الانتخابية، إذ يسمح النظام الحالي لجميع الناخبين في الدائرة بالتصويت لمرشحي مقاعد المكونات، وهو ما ترى شخصيات مسيحية أنه يفتح الباب أمام القوى السياسية الكبيرة لتوجيه أصواتها نحو مرشحين بعينهم، وبالتالي التأثير في نتائج المقاعد التي يفترض أن تضمن تمثيلاً مستقلاً للمكونات الصغيرة.
وشهدت وزارة الهجرة والمهجرين عدة محاولات لحسم مرشح الحقيبة، لكنها تعثرت وسط الخلافات السياسية. وطرحت أسماء عدة لشغل المنصب، من بينها دينا صباح يلدا ورؤى عامر سالم وغصون عبودي بطرس بسكوني، إلا أن أياً منها لم ينجح في إنهاء الأزمة، لتبقى الوزارة واحدة من أبرز نقاط الخلاف داخل التشكيلة الحكومية.
وفي تصريحات تابعتها «العالم»، يرى النائب المسيحي السابق جوزيف صليوا أن استمرار الصراع على مقاعد الكوتا مرتبط أساساً بطريقة احتساب أصواتها، داعياً إلى تعديل قانون الانتخابات بحيث يجري انتخاب ممثلي المكونات من الناخبين المنتمين إليها حصراً، عبر سجلات انتخابية خاصة، بما يمنع تدخل القوى السياسية الأخرى في تحديد ممثليها.
ويطالب صليوا أيضاً بأن تؤول وزارة الهجرة والمهجرين إلى شخصية مسيحية مستقلة قادرة على تمثيل المكون بعيداً عن ارتباطات الفصائل المسلحة أو القوى السياسية الكبرى، مشيراً إلى حساسية الوزارة بسبب مسؤوليتها عن ملفات النازحين والعائدين وإعادة الاستقرار إلى المناطق التي تعرضت للنزوح والتهجير.
وتكتسب هذه الملفات أهمية خاصة بالنسبة إلى المسيحيين، ولا سيما سكان مناطق سهل نينوى، التي شهدت موجات تهجير واسعة خلال سيطرة تنظيم داعش على أجزاء من العراق، وما تزال العديد من الأسر تواجه تحديات مرتبطة بالعودة وإعادة الإعمار والخدمات والاستقرار.
ولا يقتصر الجدل على الوزارة وحدها، بل يمتد إلى طريقة تمثيل المسيحيين في البرلمان. فالمقاعد الخمسة المخصصة لهم جاءت لضمان حضورهم السياسي، إلا أن نتائج الانتخابات وطريقة احتساب أصوات الكوتا أثارت تساؤلات بشأن مدى تعبير الفائزين عن إرادة أبناء المكون، في ظل قدرة القوى السياسية الكبرى على توجيه جزء من أصوات جمهورها نحو مرشحين محددين.
وبحسب ما تابعته «العالم»، فإن أزمة وزارة الهجرة تحولت بذلك إلى اختبار سياسي أوسع للحكومة الجديدة، التي تجد نفسها أمام ضرورة الموازنة بين نتائج الانتخابات والتحالفات التي تشكلت حولها، وبين مطالب المكونات الصغيرة بالحفاظ على استقلال قرارها السياسي.
ويضع استمرار الخلاف ملف الكوتا أمام استحقاق تشريعي مؤجل، يتمثل في إعادة النظر بآلية انتخاب ممثلي المكونات، بما يضمن أن تكون المقاعد المخصصة لهم تعبيراً عن إرادتهم السياسية، لا ساحة إضافية للتنافس بين القوى الكبرى. وبينما تواصل القوى السياسية مفاوضاتها لحسم وزارة الهجرة، يبقى السؤال الأوسع مطروحاً: هل تستطيع الكوتا أن تؤدي وظيفتها في حماية تمثيل المكونات، أم أنها ستظل عرضة لتجاذبات القوى الأكثر نفوذاً في المشهد العراقي؟





