إبراهيم العريس
خلال الأسابيع الأخيرة من عام 1889 كان الموسيقي الروسي بيوتر تشايكوفسكي يجري مع مصمم الرقص الكبير ماريوس بيتيبا، في قاعة مسرح مارينسكي في سانت بطرسبورغ التمارين الأخيرة على واحد من آخر الباليهات الكبيرة التي لحنها في حياته، وهو "الحسناء النائمة في الغابة". وذات يوم قيل له أن يستعد لأن القيصر ألكسندر الثالث أبدى رغبته بزيارة المكان وتفقد سير التمارين على ذلك الباليه الذي يعول عليه كثيراً، مصطحباً معه زوجته وأفراداً آخرين من عائلته.
ولا شك أن تلك الزيارة كانت من النوع الذي يتمناه فنان كبير من طينة تشايكوفسكي فاستعد لذلك وبدأ تمارينه التي بالفعل حضرها القيصر وخاصته.
وعندما أراد هذا الأخير مبارحة المكان مبتسماً بقدر لا بأس به من الرضا، صافح الفنان الكبير قائلاً له ببساطة "جميل جداً". ولنا أن نتخيل خيبة أمل تشايكوفسكي في تلك اللحظة التي كان يتوقع فيها من سيد البلاد وراعي فنونها ومقدر حداثتها تعبيراً أكثر حماسة. فأجفل، ولكن من دون أن يلفت نظر القيصر إلى الخيبة التي أصابته. مهما يكن لم يلبث الباليه أن قدم على مسرح مارينسكي بعد أسابيع قليلة بنجاح فاق نجاح أي عمل مسرحي آخر للفنان نفسه، بل يبدو أنه عوض عليه، ليس فقط الفشل النسبي الذي كان قبل ذلك من نصيب باليه آخر له سيصبح الأكثر شهرة بين أعماله على الإطلاق: "بحيرة البجع"، ولكن أيضاً ما اعتقده نوعاً من البرود في موقف القيصر، إذ في العرض الأول كانت حماسة هذا الأخير وهو يصفق تفوق حماسة أي متفرج آخر، بل إن ما سر تشايكوفسكي أكثر كان أن ألكسندر الثالث، وعلى غير عادة الملوك، واصل جلوسه في مقصورته نحو أربع ساعات بكاملها متفرجاً على عرض راقص هو الأطول في تاريخ موسيقيه المفضل.
ومع ذلك لهذا الباليه الذي سيقدر له أن يكون العمل الكبير الأخير في حياة مموسقه، حكاية لا بد من التوقف عندها بالنظر إلى أنه، وربما من دون أن يتقصد صانعوه ذلك، لعب دوراً كبيراً في التقريب بين روسيا وفرنسا. وذلك من دون أن يفوتنا هنا أن الباليه المقتبس ـ أصلاً عن قصة الفرنسي شارل بيرو المعروفة بالعنوان نفسه، كما أكسسوارياً، عن القصة الرديفة للأخوين غريم، كان قد ظهر في الأصل قبل ذلك بأكثر من نصف قرن على شكل استعراض راقص لجان بيار أومير على مسرح أوبرا باريس.
ومن هنا فإن اشتغال تشايكوفسكي عليه سيبدو نوعاً من التكريم لفرنسا وفنونها، وليس فقط انطلاقاً من النص نفسه، بل أكثر من ذلك، انطلاقاً من أن الموسيقي تعمد أن يستعير من التراث الفرنسي تنويعة على أنشودة هي "يعيش هنري الرابع" للموسيقي أوستاش دو كورنوا تعد عادة من ترنيمات عيد الميلاد الشهيرة في فرنسا، لتضحى واحدة من مقطوعات الباليه الجديدة ما اعتبر إشارة ود روسية تجاه فرنسا... النظام القديم بالتأكيد. وحتى في هذا الإطار سيحق لتشايكوفسكي أن يرى في رد فعل القيصر على ذلك الاستخدام انتصاراً له ولنزعته المتجهة صوب أوروبا على مناوئيه من أصحاب المدرستين السلافية والمحلية في الموسيقى.
والحال أن الفكرة وعلى رغم دورها في ذلك الختام السعيد لحياة تشايكوفسكي ومساره "المسرحي" لم تكن من بنات فكره، بل من ابتكارات إيفان فسيفولوجسكي، مدير المسارح الإمبراطورية في سانت بطرسبورغ، الذي كان أول من حدث الموسيقي عن فكرة لباليه مستوحى من قصة "الحسناء النائمة في الغابة" في اقتباس عن شارل بيرو تحديداً (وهذا ما يفتح على فرضية أن الغاية السياسية من العمل كانت في بال المسؤولين الروس قبل دخول تشايكوفسكي نفسه على الخط).
المهم هنا هو أن تشايكوفسكي لم يتردد في القبول، على رغم النجاح الباهت للباليه السابق "بحيرة البجع"، أو ربما بسبب ذلك، فمن الصعب أن نكون هنا على يقين، لكن المهم هو أن الموسيقي سيتعمد عند شروعه في العمل، أن يضيف إلى فكرة استيحاء الفرنسي بيرو إدماج نسخة الأخوين غريم من الحكاية، وهي التي تنتهي بنهاية مختلفة، حيث ينجو والدا الأميرة (الملك والملكة) من النوم بعد 100 عام، للاحتفال بزفاف ابنتهما. كما أضاف فسيفولوجسكي شخصيات من حكايات أخرى في الفصل الثالث، فيما كان مصمم الرقصات ماريوس بيتيبا يشتغل على قائمة مفصلة بالتعليمات الخاصة بالقطع التي يحتاج إليها.
دور دبلوماسي
أما تشايكوفسكي فقد انزوى في منزله في فرولوفسكوي مشتغلاً لإنجاز هذا العمل الجديد بأسرع ما يمكن، منطلقاً كما تقول الحكاية من وضع بعض الرسومات التخطيطية حتى من قبل أن يبدأ تعاونه مع بيتيبا خلال شتاء عام 1888، ليتولى البدء في التوزيع الأوركسترالي للعمل في منتصف ربيع العام التالي. ويكون العرض الأول مساء الأول من يناير (كانون الثاني) من العام التالي بالطبع.
ونحن لئن كنا نعرف الحكاية التي يدور الباليه من حولها، كما حال عشرات ملايين الصغار حول العالم، فإن قلة منا بالطبع تعرف تلك التفاصيل التي تختبئ خلف عمل استعراضي مسرحي يعد منذ عروضه الأولى واحداً من أقوى أعمال تشايكوفسكي نفسه، ناهيك بكونه واحداً من مفاخر ريبرتوار مسرح مارينسكي الروسي. بل إن المصمم بيتيبا ظل طول حياته وعلى مدى مساره الإبداعي يعده الخاتمة الحقيقية للتيار الرومنطيقي في فن الباليه الروسي، والعالمي على أية حال.
والباليه على الشكل الذي قدم عليه في ذلك العرض، ولا يزال يحتفظ به مع محاولات بين الحين والآخر، لاجتزاء ساعة أو حتى أكثر من ساعة من زمن تقديمه، يترجم، رقصاً وموسيقى، وفي مقدمة وثلاثة فصول الحكاية التي نعرفها، بالطبع. فالمقدمة التي حددت فيها موسيقى تشايكوفسكي وبصورة نادرة المثال أن الصراع على طول العمل إنما هو صراع بين الخير والشر، مترجماً ذلك في استخدامه المدهش للتوزيع الأوركسترالي بين الآلات النافخة وتلك الوترية مضفياً على كل مجموعة وظيفة تكاد تكون "أيديولوجية" ستحاكى كثيراً من بعده، هذه المقدمة تضعنا مباشرة على تماس مع مطلع الحكاية حين تغضب الجنية الشريرة لعدم دعوتها إلى الاحتفال بمولد الأميرة أورورا ابنة الملك فلورستان، فتدعو عليها بلعنة تفترض بها أن تموت وهي في الـ16، غير أن الجنية الأخرى الطيبة، في المقابل، تتمكن من تعديل اللعنة جاعلة أورورا وخُلصاءها ينامون بدلاً من أن يموتوا، حتى اللحظة التي توقظها فيها قبلة حب حقيقية.
ونعرف بالطبع بقية الحكاية الموزعة بعد ذلك على ثلاثة فصول. ففي الفصل الأول ننتقل زمنياً إلى اليوم الذي تبلغ فيه الأميرة الـ16 ويحل بالتالي موعد سباتها العميق بحسب لعنة الجنية الشريرة المعدلة على أية حال. وبالفعل في هذا الفصل تنام الأميرة ومن حولها، لننتقل في الفصل الثاني 100 عام، حيث يطالعنا الأمير الشاب فلوريناند وهو يتجول لاهياً في الغابة حتى يقابل الجنية الطيبة التي تروي له حكاية أورورا وتقوده إلى حيث ترقد هذه غافية في الغابة في انتظار قبلة الحب التي ستعيدها إلى الحياة. وما إن يرى الأمير الحسناء النائمة حتى يغرم بها ويطبع قُبلته على مُحيَّاها فتفيق كما يفعل بقية أهلها، ولا سيما أبوها وأمها ملكا البلاد اللذان يباركان فلوريناند، بينما تتأمله أورورا وقد شعرت أنها تبادله حباً بحب.
وهذا ما يوصلنا، بالطبع، إلى الفصل الثالث والأخير من الحكاية... والباليه بالتالي، حيث في هذا الجزء الذي كثيراً ما يقدم مستقلاً بعنوان "عُرس أورورا" تطالعنا الاحتفالات الصاخبة المدهشة بزواج الأمير والأميرة في جزء يستغرق وحده ما يزيد عادةً من الساعة ونصف الساعة ويعد في حد ذاته قمة في فن الباليه والموسيقى المخصصة لهذا الفن، ناهيك بكونه قمة ليس فقط في عمل تشايكوفسكي كملحن وموزع، بل قمة في توجهه الكوزموبوليتي، حيث عرف هنا كيف يدمج موسيقى جاء بها من تراث عديد من الأمم الشرقية والغربية، وربما بصورة أراد منه أن يضفي مركزية ما على دور بلاده في المسار الكوني للفن الموسيقي. وهو ما أثار بالتأكيد إعجاب، بل حماسة القيصر، وأتاح للفنان الكبير أن يختم حياته الفنية، ولا سيما المسرحية هنا،