بغداد ـ العالم
بالتزامن مع جدل واسع حول تطبيق آلية الرسم الكمركي المسبق وزيادة التعرفة على بعض السلع، ولا سيما الأدوية والمستلزمات الطبية، تشهد الأسواق العراقية خلال الأيام الأخيرة تقلبات ملحوظة في سعر صرف الدولار الأمريكي مقابل الدينار.
هذه التطورات أعادت إلى الواجهة المخاوف بشأن تأثير السياسات المالية والكمركية على استقرار السوق، والأسعار، والقوة الشرائية للمواطنين، في وقت تسعى فيه الحكومة إلى ضبط الاستيراد وتنظيم التحويلات المالية.
مؤخرًا، سجّل سعر صرف الدولار الأمريكي ارتفاعًا طفيفًا ومتقلبًا في الأسواق الموازية، متجاوزًا حاجز 145 ألف دينار لكل 100 دولار في بورصتي الكفاح والحارثية في بغداد، مقارنة بالسعر الرسمي المحدد من قبل البنك المركزي العراقي عند 132 ألف دينار لكل 100 دولار.
وبحسب متابعات السوق، فإن هذا الارتفاع جاء مدفوعًا بزيادة الطلب على العملة الأجنبية من قبل التجار والمستوردين، لا سيما مع بدء تطبيق آلية الرسم الكمركي المسبق، إلى جانب عوامل موسمية مرتبطة بتسوية الحسابات المالية مع مناشئ الاستيراد.
في هذا السياق، أوضح مرصد إيكو عراق في بيان صحفي أن أسعار الدولار ارتفعت لتصل إلى نحو 145,650 دينارًا لكل 100 دولار، عازيًا ذلك إلى سببين رئيسيين.
السبب الأول يتمثل في تطبيق آلية الرسم الكمركي المسبق، وهي إحدى الأدوات التنظيمية التي تهدف إلى ضبط عمليات الاستيراد والتحويل المالي، إلا أن تطبيقها بالتزامن مع قيود مصرفية على التحويلات الخارجية أسهم في فرض ضغوط مؤقتة على سوق الصرف، ما انعكس بزيادة الطلب على الدولار في السوق الموازية.
أما السبب الثاني، فيعود إلى قيام التجار والمستوردين بتسوية حساباتهم المالية مع مناشئ الصنع في نهاية العام أو مع بداية عام جديد، وهي ممارسة معتادة لكنها تؤدي في مثل هذه الفترات إلى ارتفاع الطلب على العملة الأجنبية بشكل مفاجئ، الأمر الذي ينعكس سريعًا على أسعار الصرف خارج القنوات الرسمية. بالتوازي مع تقلبات سعر الصرف، تصاعد الجدل بشأن زيادة التعرفة الكمركية على الأدوية والمستلزمات الطبية، بعد صدور قرار مجلس الوزراء المرقم (457) لسنة 2025، وهو ما دفع نقابة صيادلة العراق إلى التحذير من تداعيات محتملة على الأمن الدوائي.
وأعربت النقابة، في بيان رسمي، عن قلقها من أن تؤدي زيادة الرسوم الكمركية، إلى جانب حظر استيراد بعض المواد الأولية الداخلة في الصناعة الدوائية، إلى ارتفاع أسعار الأدوية والمستلزمات الطبية، واضطراب سلاسل الإمداد، بما قد يؤثر بشكل مباشر على المرضى، خصوصًا ذوي الدخل المحدود والمصابين بالأمراض المزمنة.
ودعت النقابة مجلس الوزراء إلى إعادة النظر في القرار، أو استثناء الأدوية والمواد الأولية الطبية من أي رسوم إضافية، محذّرة من أن استمرار العمل بهذه السياسة قد يزعزع استقرار السوق الدوائي.
في المقابل، نفت الهيئة العامة للكمارك ما تم تداوله بشأن رفع الرسوم الكمركية على الأدوية إلى “10 أضعاف”، مؤكدة أن هذه الأرقام لا تستند إلى الواقع التشريعي أو التنفيذي.
وأوضحت الهيئة أن الإجراءات الحالية تندرج ضمن توحيد وتصحيح نسب التعرفة الكمركية، حيث جرى اعتماد نسبة موحّدة قدرها 5% بدلًا من نسب سابقة كانت تتراوح بين (0.5% – 4%)، وذلك لمعالجة التفاوت في التطبيق وتصحيح التصنيفات الكمركية غير الدقيقة.
وأكدت الهيئة أن هذا الإجراء لا يمثل استحداث رسوم جديدة، ولا مضاعفة غير قانونية، مشددة على أن الأدوية الأساسية والمستلزمات ذات الطابع الإنساني ما تزال مشمولة بالإعفاءات والتسهيلات القانونية، بما يضمن عدم إلحاق ضرر مباشر بالمواطن أو تهديد توفر الدواء في الأسواق.
ويرى مختصون أن تزامن تقلبات سعر الصرف مع الجدل حول الرسوم الكمركية يخلق حالة من القلق في الأسواق، ويؤثر على قرارات الاستيراد والتسعير، خاصة في القطاعات الحيوية كالغذاء والدواء. كما أن أي ارتفاع مستمر في سعر الدولار من شأنه أن ينعكس على أسعار السلع، حتى وإن كانت الزيادات ناتجة عن ضغوط مؤقتة.
وبين مساعي الحكومة لتنظيم الاستيراد وحماية الاقتصاد الوطني، ومخاوف التجار والقطاعات المهنية من تداعيات القرارات المالية والكمركية، يبقى التحدي الأبرز هو تحقيق التوازن بين الاستقرار النقدي وحماية المستهلك. ويؤكد مراقبون أن المرحلة المقبلة تتطلب تنسيقًا أوضح بين الجهات المالية والرقابية، وحوارًا مهنيًا شفافًا مع النقابات والقطاع الخاص، لتفادي أي اضطرابات قد تمس معيشة المواطنين أو استقرار السوق.