أكبر مشاكل العصر جاءت نتيجة لإدخال الدين في السياسة. انها مشكلة سياسية حلت بناء على معتقد ديني. حل « المسألة اليهودية»، وهي معاناة اليهود من العنصرية تجاههم في الغرب ، اعتمادا على « العهد القديم». وفيه خمس آيات تمثل»وعد الرب» بتمليك فلسطين وتوريثها لليهود.
وعاش «وعد الرب» هذا، بعد انهيار مملكة اليهود عام 930 ق. م حتى مطلع القرن التاسع عشر، أشبه بنداء أسطورة، يخفت ويعلو بين اليهود، من جيل الى آخر، حاملا ما يشبه أشواق المؤمن الى الفردوس، ودافعا الى شعور سائد بينهم بأن العالم خارج وطن الرب منفى. وقد انعكس هذا الشعور في سلوكهم لدرجة انهم» تعرضوا للبغض الشامل بانقطاعهم كليا عن الشعوب الأخرى» على حد تعبير سبينوزا. ومع ذلك لم يكن من المتصور ان تتحول تلك الأسطورة الى فكرة سياسية.
وكان نابليون أول من نقل معتقد صهيون من الدين الى السياسة. فمثلما ارتدى عباءة الاسلام عندما احتل مصر، في اطار طموحه الامبراطوري، بادر الى ريادة الصهيونية السياسية من خلال ندائه بقيام دولة يهودية في فلسطين وهو يقترب من أسوار القدس عام 1799 . قال :» ان عبيد الله ( اي الاسرائيليين، فاسرائيل كلمة عبرية معناها عبد الله) سيعودون الى صهيون .. وستعمهم السعادة حين يستعيدون مملكتهم.. يا ورثة فلسطين الشرعيين ان الأمة الفرنسية تدعوكم الى إرثكم بضمانها وتأييدها ضد كل الدخلاء».
وكان عدد اليهود في فلسطين يومذاك أقل من الفين. وقبيل عقد المؤتمر الصهيوني الاول عام 1897 ، بعث صديق لهرتزل اثنين من الحاخامات الى فلسطين لاستكشاف امكانية قيام وطن لليهود فيها، ووصلا، ومن هناك كتبا اليه « ان العروس جميلة ومستوفية للشروط ولكنها متزوجة فعلا» في اشارة الى ان فلسطين معمورة بشعب يسكنها وليست « أرضا بلا شعب لشعب بلا أرض».
وعلى مدى نصف قرن بعد ذلك المؤتمر اشتد زخم الحركة الصهيونية وتراكمت عوامل كثيرة مساعدة ومستثمرة له في السياسة الدولية الى ان اعترفت الأمم المتحدة عام 1948 بدولة اسرائيل. وبذلك تحقق « وعد الرب» من خلال أكبر سرقة في التاريخ. أما الغرب الذي احاط اليهود بكره بلغ حده الأقصى مع هتلر فتحول 180 درجة ليجعل من سلامة اسرائيل قضية مقدسة. واسرائيل لم تقصر في استغلال هذا « التابو» حتى بلغت الثقة بنفسها عام 1967 حد التصرف باستقلالية تامة عن الولايات المتحدة باحتلاها الضفة الغربية. اميركا اعطتها الضوء الأخضر تجاه احتلال بقية الاراضي العربية لكن ليس الضفة، وليس القدس.
ومنذ 1967 لم يعد الشك يحيط بحقيقة وجود اسرائيل. لقد انتقل الشك الى امكانية تحقيق السلام. فكلما اقترب السلام يعود ليتراجع مثل المولوخ، اله الشر، طلبا للمزيد من القرابين على مذبحه. وتضافر التسييس المستورد والمحلي للدين على انزال حكمه الكئيب بالاستنزاف المتواصل للمنطقة. قبل ان يتحرك ابو مازن بيوم نحو مفاوضات السلام الحالية في واشنطن دعا عليه الحاخام عوفاديا يوسف بالهلاك. وفي يوم وصوله نفذت حماس عملية قتل فيها أربعة اسرائيليين في الخليل. هكذا كلما تقدم السلام خطوة استنفر «عبد الله» المستورد والمحلي لإعادته خطوات الى الوراء.