مشكلة السلطة العربية هي المشروعية. من أين تستمد المشروعية: من الشعب؟ من الانجازات؟ من الدين؟ حكومات «عصر الثورة» مطلع الخمسينيات زعمت ان المشكلة حلت باعتماد مشروعية الشعب. وكل الثورات وكل الانقلابات قامت باسم الشعب. ولم يمض عقدان من الزمن حتى كانت حكومات الثورة قد استكملت أكبر عملية مصادرة في التاريخ لارادة الشعوب.
ولن نجد كبير فرق بين الأفكار السياسية المحركة لتلك الحقبة، مثل القومية او الشيوعية او الوطنية، من حيث نتائجها الاجتماعية والمعرفية، وهي كارثية بكل معنى الكلمة. اجتماعيا أوقفت تنامي الطبقة الوسطى تدريجا الى أن هدتها. وتسلمت الحكومات عنها مسؤولية انتاج الثروة والمعرفة.
اما المعرفة التي تولت انتاجها في التعليم وفي الاعلام وفي كل انحاء الفضاء الثقافي فقد جاءت من نوع أسطوري منع كل امكانية للفكر الحر، وللتفكير العقلاني. وجاءت تلك الأساطير السياسية الجديدة فوق أساطير قديمة لم تكن تصفية الحساب النقدي معها قد أنجزت بعد. كان «عصر النهضة» محض بداية مبتورة. بترت بالثورات والانقلابات.
وبتلاشي او اضمحلال الطبقة الوسطى وغياب المعرفة العقلانية فقدت السلطة اي مشروعية وتحولت الى غنيمة فردية او عائلية او مناطقية او حزبية او طائفية وما أشبه. ان المعرفة العقلانية، القائمة على النقد وحرية التعبير ومفاهيم المواطنة وهيبة القضاء والتداول السلمي للسلطة، تأتي تعبيرا عن إطار اجتماعي، وتأتي تلبية لحاجاته. هذا الاطار هو الطبقة الوسطى او ما يعرف بالمجتمع البرجوازي الحديث. وهو كان قد بدأ بالتشكل جنينا في رحم مجتمعاتنا فأجهضه عصر الثورة.
ومنذ ذلك الوقت لم تقم لذلك الاطار الاجتماعي قائمة. وبما انه الحاضن للثقافة الحرة فان هذه الأخيرة ظلت بلا قوائم هي الأخرى. لذلك، يقول المفكر محمد اركون، الذي ودعنا قبل ايام، «نجد أنفسنا نحن المفكرين العرب الذين يريدون اعتماد الروح النقدية مبعدين من أوطاننا ومن الاحترام الذي نستحقه».
وقد انحسرت الأفكار القومية والشيوعية وورثتها الأفكار الأصولية والطائفية. راحت أساطير كانت أشبه بأثاث جديد على بيت قديم، ثم أصبح البيت القديم مصدر انتاج أساطير «أصيلة» مثل الاسلام السياسي ومثل الطائفية. وقد بدأت هذه الأساطير الأخيرة حركات سياسية، ثم تحول بعضها الى حركات مسلحة.
واليوم تبدو معارك الاسلام السياسي ومعارك الطائفية على أشدها في العالم العربي والاسلامي. ومع هذه المعارك يزداد مفهوم وواقع مشروعية السلطة تحللا. فقد تستمد السلطة في مصر مثلا شرعيتها من التصدي للاخوان المسلمين بنظر قطاع واسع من الشعب، وبالعكس من ذلك فانها منزوعة الشرعية بنظر جمهور «الاسلام هو الحل»، وفي نظر جمهور ثالث فان مشكلة المشروعية تكمن في الدستور ذاته.
ولقد تهاوت محاولات إرساء الشرعية على أساس الدساتير، لأنها غالبا ما فصلت لإكساء الحكومات أنواعا من الشرعية الزائفة. وبالتالي فان تلك الدساتير أمست عديمة القدرة على لجم الصراعات السياسية والطائفية المستعرة على جبهة السياسة او على جبهة الحرب في العالم الاسلامي من الجزائر الى باكستان.
ومنذ بدء عصر الثورة وصولا الى هذه المعمعة الطاحنة والطويلة فان الضحية الأولى هي المعرفة العقلانية، المتحررة من الاساطير، والمؤسسة لشرعية السلطة وللمجتمع المفتوح. انها المعرفة المستحيلة او المؤجلة بنظر محمد اركون. فالأطر الاجتماعية لمثل هذه المعرفة ليست موجودة عندنا قديما وحاليا، وان غيابها « هو ما دفن فكر ابن رشد عندنا الى يومنا».