الحكومة متفائلة بقدرتها على ضبط الأمن بعد رحيل القوات الأميركية. المعارضة متشائمة. لا جديد تحت الشمس: اللي عنده راضي والماعنده ساخط. صاحب السلطة بشير وفاقدها نذير. البشر هم هم. والحكومات والمعارضات مؤلفة منهم وهي صورتهم. وشعوبنا أميل الى تصديق المعارضة منها الى الحكومة. حتى لو صادف ان الحكومة تقوم بالعمل الصحيح، وقد حدث ذلك مرارا في تاريخ العراق، فقد ظلت المعارضة أكبر من الموالاة.
وفي الوضع الحالي يبدو معظم كلام الحكومة والمعارضة بخصوص الأمن من باب الدعاية. المعارضة تريد تسويد صفحة المالكي فتذهب الى التهويل من الأخطار الأمنية، وهي لاشك غير قليلة. والحكومة تهون من شأن الأخطار الى درجة تريد معها أن تنسي الناس ان شارة الضوء الأحمر لم تنطفىء في بغداد.
والمنسي بين الجانبين هو الاحساس الحقيقي بحاجة خلق الله الى الأمن. أكثر من ذلك فان هذا الأمن نفسه جزء من صراع الجانبين على السلطة. ان هذه العمليات الارهابية هي سياسة بوسائل عنيفة. العملية السياسية عندنا تضم كل أطراف الطيف العراقي، بما في ذلك حزب البعث بطريق غير مباشرة. وهذه الأعمال لا يقوم بها أشباح من كوكب آخر. وغالبا ما يقول أمنيونا الى ساستنا : سهلوا مهمتنا بتخفيف خلافاتكم. حتى « القاعدة»، وهي المنبوذة المعزولة، تحولت حسب بعض التقارير الى مسدس للإيجار من قبل آخرين..ساسة آخرين.
والمسبي في هذه المحنة، بعد الشعب، هو القوات الأمنية. فهي مكلفة مهمة لا يمكن حلها بالقوة وانما بالسياسة. فالمشكلة هي المصالحة الوطنية التي لم تنجز مع « الأعداء»، وهي فوق ذلك الخصومة المشتدة بين مكونات العملية السياسية التي يفترض ان تمثل « البيت العراقي». وهذه الصراعات لم يتمكن جيش القوة الأعظم في العالم من حلها لأنها ببساطة، ومرة أخرى، مشكلة سياسية في الجوهر وليست أمنية ولو أخذت شكل العنف.
لقد قطعت عملية إعادة بناء القوات الأمنية شوطا مهما. ولعل أهم ما في هذا الشوط هو انها أصبحت على درجة من القوة تفوق قوة كل الميليشيات والجماعات المسلحة. ومن المؤكد انها قادرة على حماية السلطة. ان جماعات العنف السياسي تستطيع إنزال كوارث وتوجيه ضربات موجعة لكن لم يعد في إمكانها السيطرة على بلدة او مدينة كاملة. ومع ان سيطرة هذه الجماعات على أحياء او مناطق مازالت ممكنة، مثلما في الموصل، ولكنها ليست سيطرة كاملة.
الى جانب مهمة سياسية ليست من صلب واجبها تواجه القوات الأمنية محنة من نوع آخر، محنة « فكرية». انها جزء من الشعب، ومن السياسة السائدة بين صفوف هذا الشعب، وبالتالي فهي معرضة لكل ما يمكن أن يهدد بالانقسام والتشظي من أهواء مذهبية وعشائرية ومناطقية وحزبية. القوات المسلحة ليست جزيرة معزولة عما يدور في بلدها ايضا من فساد.
ان القلق لا يأتي من « التخلي» الأميركي. وهو لم يحدث أصلا فما زالت هناك اتفاقية أمنية تلزم واشنطن بالدفاع عن «النظام الديمقراطي» اذا طلبت حكومة بغداد. القلق هو من أنفسنا، من طبقتنا السياسية. ان قوى الأرض والسماء مجتمعة لا تستطيع حماية شعب من نفسه اذا قرر الانتحار، كما لا تستطيع ان تمنع الأوكسجين عنه إذا قرر الحياة.
ومن الواضح اننا لم نحسم الاختيار. فنحن أمام المجهول.