بغداد – العالم
أعلن رئيس مجلس الوزراء محمد شياع السوداني أن إغلاق بعثة الأمم المتحدة لمساعدة العراق (يونامي) يمثّل تحولاً مفصلياً في طبيعة العلاقة بين العراق والمنظمة الدولية، مؤكداً أن انتهاء عمل البعثة لا يعني الانفصال أو التراجع عن التعاون، بل يؤسس لمرحلة جديدة من الشراكة التنموية المتكافئة القائمة على التخطيط بعيد المدى، وبما ينسجم مع استقرار الدولة وتعافي مؤسساتها.
جاء ذلك خلال مؤتمر صحفي مشترك عقده السوداني مع الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيرش في بغداد، بالتزامن مع انتهاء التفويض الرسمي لبعثة «يونامي» التي رافقت العراق على مدى أكثر من عقدين في مراحل سياسية وأمنية معقدة.
وأكد السوداني أن علاقة العراق مع الأمم المتحدة، عبر بعثة «يونامي»، كانت محورية وفاعلة منذ تأسيسها عام 2003، وأسهمت في دعم البلاد خلال مراحل الانتقال السياسي، وبناء المؤسسات، وإدارة الأزمات الأمنية والإنسانية. وأوضح أن العراق وصل اليوم إلى مرحلة الاعتماد على الذات، ما يستدعي الانتقال من نموذج “إدارة الأزمات” إلى نموذج التنمية المستدامة والتخطيط الاستراتيجي.
وأشار رئيس الوزراء إلى أن ما يشهده العراق من أمن واستقرار نسبي هو نتاج تماسك المجتمع العراقي، وتضحيات مؤسساته الأمنية، وتكامل العمل بين السلطات، مؤكداً أن الحكومة الحالية نجحت في ترسيخ المسار الديمقراطي من خلال تنظيم استحقاقات انتخابية وصفها بأنها “الأكثر تنظيماً ومصداقية”، وشهدت ارتفاعاً ملحوظاً في نسب المشاركة مقارنة بالدورات السابقة.
وشدد السوداني على أن الحكومة ماضية في تنفيذ المشاريع الخدمية والتنموية في مختلف المحافظات، ضمن رؤية تهدف إلى معالجة التراكمات الاقتصادية والاجتماعية، واستكمال مسيرة البناء وإعادة الإعمار، بالتوازي مع الإصلاحات الإدارية والاقتصادية. وفي السياق ذاته، أكد تطلع العراق إلى شراكة متوازنة مع الأمم المتحدة، تقوم على الاحترام المتبادل، وعدم التدخل في الشؤون الداخلية، والتركيز على برامج مشتركة في مجالات التنمية، وبناء القدرات، ودعم القطاعات الحيوية. كما لفت إلى أن السياسة الخارجية العراقية اتسمت خلال المرحلة الماضية بـالتوازن وحفظ السيادة، وتعزيز العلاقات الإقليمية والدولية على أساس المصالح المشتركة.
وجدّد رئيس الوزراء التزام الحكومة بـحماية حقوق الإنسان، وتمكين المرأة، وإطلاق مبادرات تستهدف تشغيل الشباب ومعالجة البطالة، مؤكداً أن هذه الملفات تشكل ركائز أساسية في رؤية الحكومة للتنمية الشاملة والاستقرار طويل الأمد.
وفي ختام كلمته، رحّب السوداني باختيار الرئيس العراقي السابق برهم صالح مفوضاً للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، معتبراً ذلك تقديراً دولياً للدور العراقي، ومعلناً عن خطوات رمزية لتكريم دور الأمم المتحدة في العراق، من بينها تسمية شارع داخل المنطقة الخضراء بـ«شارع الأمم المتحدة»، وإقامة نصب تذكاري قرب نصب الجندي المجهول، تخليداً لدور المنظمة خلال السنوات الماضية.
من جانبه، أعرب الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيرش عن شكره وتقديره لحكومة وشعب العراق، مشيداً بما وصفه بـشجاعة العراقيين في تجاوز عقود من العنف والصراعات، ومؤكداً أن العراق اليوم أصبح بلداً أكثر أمناً وسلاماً مقارنة بالسنوات السابقة.
وهنّأ غوتيرش العراق على الانتخابات الأخيرة، معرباً عن ثقته بمواصلة الجهود الوطنية لتعزيز الاستقرار وبناء الثقة بين الدولة والمجتمع، والحفاظ على اليقظة الأمنية في مواجهة التحديات المتبقية، وفي مقدمتها خطر الإرهاب.
وتطرق الأمين العام إلى الأوضاع الإنسانية، مشيداً بجهود الحكومة العراقية في إعادة مواطنيها من مخيم الهول، ومؤكداً أهمية اعتماد حلول إنسانية تحترم الكرامة، وتضمن إعادة الإدماج المجتمعي، بما يحقق الأمن والاستقرار على المدى البعيد. كما تناول غوتيرش تطورات الأوضاع في قطاع غزة، داعياً إلى احترام وقف إطلاق النار، والدفع نحو مسار سياسي موثوق يضع حداً للاحتلال، ويقود إلى حل الدولتين وفق القرارات الدولية.
وفيما يخص إغلاق بعثة «يونامي»، أوضح غوتيرش أن البعثة اضطلعت، على مدى 22 عاماً، بدور مهم في دعم الحوار السياسي، وتعزيز المصالحة الوطنية، والإصلاحات القانونية والقضائية، وحماية حقوق الإنسان، وضمان العودة الآمنة للنازحين، إضافة إلى تنسيق العمل الإنساني والإنمائي، مع التأكيد الدائم على مبدأ الملكية الوطنية.
وأكد أن إغلاق البعثة لا يعني انتهاء دور الأمم المتحدة في العراق، مشيراً إلى أن وكالات وبرامج أممية متخصصة ستواصل عملها بشكل طبيعي، وأن المنظمة الدولية ستبقى شريكاً داعماً لبناء عراق مستقر، مزدهر، وفاعل في محيطه الإقليمي والدولي.