الإنسان بين الجهل والتحفّظ
22-شباط-2026


يشكّل الإنسان، في منطق الفلسفة الحضارية ونظرية المركب الحضاري، العنصر الأول والحاسم في حركة النهوض أو التراجع، لأن الأرض والزمن والعلم والعمل لا تتحول إلى طاقة حضارية منتجة إلا عبر وعي الإنسان وقدرته على التفاعل الخلّاق معها، ومن هنا فإن أي خلل في بنية الوعي الإنساني ينعكس مباشرة على مسار المجتمع كله، صعودًا أو هبوطًا. وفي هذا السياق يبرز عاملان متلازمان يفسّران جانبًا مهمًا من التعثر الحضاري في مجتمعات عديدة، وفي مقدمتها المجتمع العراقي، وهما: الجهل البنيوي، والتحفّظ المفرط إزاء التغيير.
إن الجهل هنا لا يُقصد به الأمية الأبجدية فقط، بل هو أوسع من ذلك بكثير، فهو يشمل ضيق الأفق المعرفي، وضعف التفكير النقدي، وهيمنة التفسيرات الجاهزة، والعجز عن قراءة التحولات العالمية قراءة واعية، وعندما يقترن هذا الجهل بنزعة تحفّظية تخشى التغيير وتتعامل معه بوصفه تهديدًا لا فرصة، تتشكل بيئة نفسية وثقافية تعيق كل مشروع إصلاحي جاد، مهما كانت وجاهته النظرية أو ضرورته العملية.
في الحالة العراقية، تتجلى هذه العقدة التعطيلية بوضوح لافت، إذ إن المجتمع الذي يمتلك رصيدًا تاريخيًا وحضاريًا عميقًا، وموارد طبيعية وبشرية كبيرة، ما يزال يواجه صعوبات بنيوية في الانتقال إلى طور الدولة الحضارية الحديثة، وليس مردّ ذلك إلى نقص الموارد بقدر ما يعود إلى اختلالات في البنية الذهنية والسلوكية للفاعل الإنساني داخل المنظومة الاجتماعية والسياسية. فالمشكلة ليست في غياب الإمكان، بل في ضعف القابلية الحضارية لتوظيف الإمكان.
لقد تراكمت في التجربة العراقية الحديثة طبقات من عدم الثقة بالتغيير نتيجة الصدمات السياسية والحروب والتحولات الحادة التي عاشها البلد خلال عقود طويلة، وهذا التراكم ولّد نوعًا من الحذر الاجتماعي المزمن، بل يمكن القول إنه أنتج ما يشبه “ثقافة الارتياب من الجديد”، حيث يُقابل كثير من مشاريع الإصلاح أو التحديث بريبة مسبقة، لا على أساس تحليل موضوعي لمضمونها، بل انطلاقًا من خوف تاريخي متراكم من المجهول. وهذه الحالة النفسية الجمعية تُعدّ من أخطر ما يواجه أي مشروع نهوض.
ويتخذ هذا التحفّظ أشكالًا متعددة في المجتمع العراقي، فهو يظهر في المجال السياسي على هيئة تمسّك بالأنماط التقليدية في الحكم والإدارة، ويظهر في المجال الاقتصادي في صورة تردّد في الانتقال من الاقتصاد الريعي إلى الاقتصاد الحضاري الإنتاجي، كما يظهر في المجال الاجتماعي في مقاومة بعض التحولات القيمية والمؤسسية الضرورية لبناء مجتمع حديث متماسك. وفي كل هذه المستويات يعمل الجهل والتحفّظ معًا بوصفهما آلية كابحة لحركة التطور.
ومن الملاحظ أن هذا النمط من التعطيل الحضاري لا يقتصر على النخب السياسية، بل يمتد بدرجات متفاوتة إلى البنية المجتمعية الأوسع، حيث تتكرر أنماط التفكير نفسها: الميل إلى الحلول السريعة بدل الإصلاحات الهيكلية، وتفضيل الولاءات الفرعية على منطق الدولة، والبحث عن المكاسب الآنية بدل الاستثمار في المستقبل. وهذه كلها مؤشرات على أن المشكلة ذات طابع بنيوي ثقافي، لا مجرد خلل إداري عابر.
إن استمرار هذه الحالة يهدد بإدامة ما يمكن تسميته “الدوران في الحلقة الانتقالية”، حيث يبقى البلد في حالة انتقال غير مكتمل، فلا هو قادر على العودة إلى أنماط الاستقرار القديمة، ولا هو ينجح في إنجاز قفزة نوعية نحو الدولة الحضارية الحديثة. وهذا الوضع، إذا طال أمده، يستهلك الزمن الحضاري ويبدّد الفرص التنموية ويعمّق فجوة الثقة بين الدولة والمجتمع.
من هنا تبرز ضرورة المعالجة الواعية لهذه العقدة المزدوجة: الجهل والتحفّظ، بوصفها أولوية استراتيجية لا تقل أهمية عن أي إصلاح اقتصادي أو سياسي، لأن الإصلاحات المؤسسية، مهما كانت متقدمة، تبقى محدودة الأثر إذا لم تجد بيئة إنسانية مهيّأة لاستيعابها والدفاع عنها وتطويرها.

رادار الإصلاح الحكومي يخترق أسوار الخطوط الجوية: تفكيك تركة الإخفاق الإداري واستعادة هيبة الطائر الأخضر
23-نيسان-2026
استراتيجية «صندوق دعم التصدير»: ثورة لتنويع الاقتصاد وتوطين شعار «صُنع في العراق»
23-نيسان-2026
بواقع 15 ألف متفرج نينوى تشرع بإنشاء ملعبها المركزي في أيمن الموصل
23-نيسان-2026
السِّيادة المؤجَّلة: سوريا وقيود الجغرافيا
23-نيسان-2026
الفلسفة عندما تكون أسلوب عيش في العالم
23-نيسان-2026
ياسمين عبدالعزيز تقاضي ناشري صورها المسيئة: «لا تليق بي كامرأة وأم مصرية»
23-نيسان-2026
دروب اللعنة
23-نيسان-2026
تشارليز ثيرون تروي تفاصيل مقتل والدها على يد أمها
23-نيسان-2026
شيرين عبد الوهاب تنهي قطيعة عام: الظهور الأول من الاستوديو
23-نيسان-2026
بين الملوية وذاكرة الحضارات.. سياحة العراق الآثارية تبحث عن نهضة مؤجلة
23-نيسان-2026
Powered by weebtech Design by webacademy
Design by webacademy
Powered by weebtech