هل بالامكان رؤية شيء ايجابي في الحركة السياسية الدائرة حول تشكيل الحكومة العراقية؟
السلبيات حدث ولا حرج، ومجموعها ينم عن انقسام سياسي عميق يصعب لحمه، وعن درجة قصوى في الفصام بين احتياجات الشعب وبين تطلعات الساسة. هذا ما صار يقين كل مواطن عراقي تقريبا.
ولكن الا يوجد شيء ايجابي واحد؟ لعل البحث عن مثل هذا الشيء يراودنا جميعا. ذلك انه في الواقع بحث عن الأمل. ولكي تستمر الحياة لابد ان يكون هناك أمل. فهل يوجد مثل هذا الشيء؟ واذا وجد فما هو؟
هناك عنصران ايجابيان يمكن رؤيتهما في مجرى الصراع على السلطة. الأول انحسار احتمال الحرب الأهلية. والثاني اجماع الساسة على مفهوم حكومة الشراكة الوطنية. وكلاهما يعني أمرا واحدا هو اعتماد أطراف العملية السياسية الحوار وسيلة وحيدة لحل الأزمة العويصة. وبالطبع فان المواقف الاخيرة التي ظهرت بعد ترشيح «التحالف الوطني» المالكي لرئاسة الوزراء لا يمكن وصفها بأنها نهاية الحوار، وانما هي استمرار له ولكن عبر مسالك أشد وعورة. إن اتباع مبدأ الحوار في حل المشاكل السياسية يعد منجزا استثنائيا في مثل هذا الجزء من العالم. ذلك انه مبدأ لا رصيد له في بنك المنطقة. والبديل الوحيد عن الحوار في حالة العراق هو الصراع المسلح. فالبلد مازال في طور ضعف أمني وسياسي يفتقد معه الى مقومات فرض الاستقرار بالقوة. الحوار اذن في هذه المرحلة « اضطرار». وعندنا من هذا الاضطرار نحو عشر سنوات مقبلة على الأقل، حتى اكتمال القوة الأمنية.
ومدار الحوار، قبل وبعد الاتفاق – اذا تم - على تسمية رئيس وزراء، هو حكومة الشراكة الوطنية، وهي تعبير مباشر عن غياب الثقة بين الكتل السياسية. فلو كانت مثل هذه الثقة متوفرة لما احتاج الأمر الى مثل هذه الحكومة. كان الحكم البرلماني سينقسم الى موالاة ومعارضة، شأن الوضع الطبيعي في الديمقراطيات.
ولكن خوف الكتل السياسية من بعضها البعض، وغياب الثقة المتبادلة، هو الذي يضطرها الى حكومة شراكة وطنية. ولعل القوات الأمنية هي أهم عنصر في هذه الشراكة. ذلك ان احتمال استحواذ حاكم او طرف عليها هو مصدر المخاوف والشكوك، فضلا عن موروث غني من غياب الثقة، وفقر فادح في الثقافة الديمقراطية. والطريقة الوحيدة لحل مشكلة الشراكة على هذا الصعيد هي إبعاد القوات المسلحة، من جيش وشرطة ومخابرات، عن دوائر نفوذ الأحزاب، وتحويلها الى قوة مهنية تدين بعقيدة الولاء للوطن. والمعروف ان للقوات المسلحة في بلدان العالم الثالث دورا رياديا في التحديث وفي نشر العقيدة الوطنية. فتاريخيا كانت هذه المؤسسة هي أولى مؤسسات الحداثة في بلدان الشرق الناهضة للتو من القرون الوسطى. ولأنها في بداية ذلك المنعطف أصبحت أقوى المؤسسات الحديثة في الدول الناشئة وأفضلها ضبطا وربطا، فغالبا ما خرجت من دورها الأمني والعسكري الى دور سياسي عبر الانقلابات. فجاءت النتائج وبالا عليها وعلى بلدانها.
وعلى اي حال فان هذا شبح ينبغي التحسب له في المستقبل، وايجاد الضمانات الكافية لمنع تكراره. اما المهمة العاجلة فهي اتخاذ اجراءات والقيام بخطوات ملموسة لإبعاد القوات الأمنية عن الولاءات الحزبية والطائفية والمناطقية. والحوار في هذا الجانب سيكون أشق من الحوارات حول الجوانب الأخرى لحكومة الشراكة.
الحوار إذن هو إيجابية السياسة العراقية. والسؤال هو: هل ستحوله الأيام من اضطرار مرحلي الى خيار وطني راسخ؟ ان تقييم التغيير العراقي كله بعد 2003 يتوقف على جواب هذا السؤال.