بغداد _ العالم
تشهد الأسواق العراقية منذ مطلع عام 2026 اضطرابًا متصاعدًا في سعر صرف الدينار مقابل الدولار، وسط قلق شعبي ورسمي من التداعيات الاقتصادية والاجتماعية، لا سيما على الطبقات محدودة الدخل. فقد ارتفع سعر الدولار في السوق الموازي ليقارب 150 ألف دينار عراقي مقابل كل 100 دولار، في وقت تحذر فيه أصوات سياسية واقتصادية من أن استمرار هذا المسار قد يفتح الباب أمام موجة ركود جديدة، وارتفاع إضافي في الأسعار، وتآكل القدرة الشرائية للمواطنين. ويأتي هذا التطور في ظل قرارات حكومية ومالية متزامنة، أبرزها التعديلات الجمركية والضريبية، إلى جانب عوامل موسمية وسلوكية في السوق.
يوضح المحلل الاقتصادي منار العبيدي أن انخفاض قيمة الدينار في السوق الموازي يعود إلى ثلاثة أسباب رئيسية. أول هذه الأسباب هو بدء تطبيق نظام الاحتساب الجمركي المسبق اعتبارًا من 1 كانون الثاني/يناير 2026، وهو إجراء رفع الكلف على المستوردين، ودفعهم إلى طلب كميات أكبر من الدولار لتغطية التزاماتهم.
السبب الثاني يتمثل في تفعيل قنوات التعرفة الجمركية الصادرة عام 2010، والتي انعكست زياداتها على عدد من السلع الأساسية، ما أدى إلى ارتفاع أسعارها داخل السوق المحلية. أما السبب الثالث، فيرتبط بما يسميه العبيدي “المنوال الموسمي”، إذ تشير المقارنات مع السنوات السابقة إلى أن الأشهر الثلاثة الأولى من كل عام تشهد عادةً تراجعًا في قيمة الدينار أمام الدولار، يعقبه تحسن نسبي في الربع الثاني من السنة.
من جانبه، يرى الأكاديمي الاقتصادي أحمد صدام أن العامل الحاسم في ارتفاع سعر الدولار يتمثل في بدء سريان التعرفة الجمركية المسبقة، إلى جانب إلغاء نظام التعرفة “المقطوعة” على الحاويات، واستبداله بالاحتساب وفق قيمة البضاعة داخل الحاوية. ويضيف أن هذه الإجراءات، مقترنة بتوقعات سلبية ومخاوف من ارتفاع أكبر في سعر الصرف خلال الفترة القريبة، دفعت المتعاملين إلى زيادة الطلب على الدولار في السوق الموازي. ويشير صدام إلى أن مكاتب الصرافة والمضاربات تلعب دورًا بارزًا في هذا الارتفاع، ليس فقط بسبب طلب التجار والمستوردين، بل أيضًا نتيجة التداول المكثف للدولار بين مكاتب الصرافة نفسها، ما يخلق دوامة سعرية تصاعدية.
كما يلفت إلى أن رفع التعرفة بنسبة 15% على السيارات الهجينة والكهربائية، إضافة إلى زيادات متفاوتة على سلع أخرى، أدى إلى ارتفاع أسعار السلع النهائية، وبالتالي زيادة الطلب على الدولار، خصوصًا أن معظم المعاملات التجارية الكبيرة تُسوى بالدولار وليس بالدينار.
سياسيًا، أطلق النائب السابق ماجد شنكالي تحذيرات حادة من تداعيات عدم استقرار سعر الصرف، متسائلًا عما إذا كانت الحكومة والبنك المركزي يدركان أن ارتفاع الدولار خلال 48 ساعة من 1425 إلى 1490 دينارًا قد يتسبب بأزمة مالية وركود اقتصادي في أسواق تعاني أصلًا من الشلل.
وانتقد شنكالي أداء السلطات المالية، مشيرًا إلى أن دولًا ذات موارد محدودة مثل الأردن نجحت في الحفاظ على استقرار عملتها، في حين فشل العراق، رغم إمكاناته النفطية والمالية، في تحقيق الهدف ذاته. ودعا إلى الإسراع في إيجاد حلول حقيقية بدل الاكتفاء بتبرير الإخفاق.
إجراءات حكومية تقشفية في سياق متصل، عقد رئيس حكومة تصريف الأعمال محمد شياع السوداني اجتماعًا أُقرت خلاله جملة من الإجراءات التقشفية، شملت تقليص الإنفاق الحكومي، وتخفيض تخصيصات الإيفاد لموظفي الدولة بنسبة 90%، ومنع الإيفادات إلا للضرورة القصوى، فضلًا عن تقليص نسب الإشراف على المشاريع الجديدة. كما تضمنت القرارات إعادة النظر بدعم محصول الحنطة والبطاقة التموينية، في مؤشر واضح على ضغوط مالية متزايدة تواجهها الدولة. وفي السياق نفسه، قرر مجلس الوزراء إعادة فرض ضريبة بنسبة 20% على بطاقات تعبئة رصيد الهاتف والإنترنت، ضمن توجه يهدف إلى تعظيم الإيرادات وتقليص العجز في الموازنة.
واعتبر شنكالي أن توصيات المجلس الوزاري للاقتصاد جاءت متأخرة، واصفًا إياها بأنها “في الوقت بدل الضائع”، ولا سيما أن تحذيرات سابقة من نواب وخبراء بشأن الوضع المالي قوبلت بالنفي والتقليل من شأنها من قبل وزارة المالية. وأشار إلى أن انخفاض أسعار النفط إلى ما دون 60 دولارًا للبرميل، مع توقع استمرار التراجع في 2026، يجعل الوضع المالي أكثر تعقيدًا وخطورة.
منار العبيدي يؤكد أن الضرائب والرسوم تمثل أداة أساسية لتمويل الدولة، إلا أن التجارب الاقتصادية الناجحة لا تبني سياساتها على رفع النسب الضريبية بحد ذاتها، بل على توسيع الوعاء الضريبي والجمركي بصورة أفقية ومستدامة. ويرى أن أي زيادة في الضرائب يجب أن تستند إلى دراسات دقيقة تأخذ في الحسبان أثرها على النمو الاقتصادي والتضخم وفرص العمل.
ويحذر العبيدي من أن التوسع العمودي في الضرائب والرسوم، دون استقرار الأسواق وضمان استمرار المشاريع، قد يؤدي إلى نتائج عكسية، إذ إن ارتفاع الكلف قد يدفع الشركات إلى تقليص نشاطها أو تسريح العمال، ما يفاقم البطالة ويقوض الاستقرار الاقتصادي.
ويخلص إلى أن الحل الأكثر استدامة يكمن في تحسين بيئة الاستثمار، وتبسيط الإجراءات، وزيادة عدد المشاريع العاملة، بما يحقق نموًا حقيقيًا في الإيرادات دون تحميل المواطن والقطاع الخاص أعباءً إضافية في وقت حساس اقتصاديًا.