الدنيا معرض. الموهوبون يعرضون والآخرون يشاهدون. ولو لم تكن لدينا فنون وآداب وعلوم وأزياء ووسائل إعلام وسياسة تغذينا بالفرجة فكيف كنا سننفق أوقاتنا؟ والفرجة انواع لا تنتهي. الأسوأ بينها تقدم السياسة على بقية عروض الفرجة. الأوحش احتكار السياسة في بلد من البلدان للفرجة. أما الأموَت فاحتكار الواحد للمشهد مثلما كانت البلاد تصبح وتمسي على وجه صدام.
ويبدو أن «جوهر» التغيير الذي حدث في العراق هو الانتقال من الأموَت الى الأوحش. هو الانتقال من احتكار صدام الى تعددية رجال ونساء بالمئات يكونون ما صار يعرف اليوم بالطبقة السياسية.
وهذه خطوة متقدمة في الفرجة، وبداية موفقة في طريق السعادة. أين كنا وأين أصبحنا؟ كان البلد مقبرة. اليوم نار. والعين كلها على المربع الأول: وهذا التعبير يشير لبداية التغيير عندما لم يكن الشيعة والسنة والكرد «گلب على گلب»، وصعد الأولان الى حلبة المصارعة، بينما عزل الأخير نفسه في الجبل.
وانا اشرح بهذا التفصيل لأن استاذي وصديقي الشاعر فوزي كريم، المقيم في لندن، والمعتكف في منزله بين الكتب وتسجيلات الموسيقى الكلاسيكية، نصب مؤخرا ستلايت يسحب على الفضائيات العراقية، واذا به يسمع بتعبير «المربع الأول» كلما جلس يشاهد، فسألني، بنوع من الارتياب، عن أصله وعن فصله.
وهذه ثالث «دكة» في تاريخ العراق الحديث بعد الأولى وهي «دكة» رشيد عالي الكيلاني، اما الثانية فقد ارتكبها فوزي ايضا عندما سألني يوما: شنو «قانا»؟
وكان شاعر لبناني اتصل به طالبا منه المشاركة في امسية شعرية تستذكر تلك المجزرة الشهيرة بعد عام من ارتكاب اسرائيل لها. فطلب إمهاله بعض الوقت للجواب وجاءني مستفسرا.
ومن الواضح ان فوزي كريم اليوم في طور استعادة لياقته السياسية، بعد نصبه الستلايت، والتحاقه بجمهور الفرجة على «المشهد السياسي». وأما اذا عدنا بالفعل الى «المربع الأول»، لا سمح الله، فان الفرجة ستتحول الى وسائل ايضاح كافية لتثقيفه بل ربما لجعله فيلسوف المربع الاول.
واذا عدنا الى حكمة الدنيا معرض فان لدى صديقي حلولا في لندن لا نملكها في بغداد اذا ضاق الصدر بهذه الفرجة المكربة. ذلك ان العروض هناك من الغنى بحيث تحتاج مشاهدتها الى انفاق ستة اعمار، لا عمر واحد فحسب، وقد لا تنتهي.
وهذا على خلاف الوضع «في الداخل»، المحاصر بين الأمن المخترق وبين شبح المربع الأول، والكهرباء «فوك الحمل تعلاوة».
والمصيبة ان رجال ونساء المعرض العراقي، من الموهوبين في شتى المجالات، يأنفون من التمثل بالمعرض اللبناني. يقولون لك انه مسجون مؤبد بالطائفية. ربما ذلك صحيح. لكن، واذا ضربنا صفحا عن جمال أو قبح الطبيعة بوصفه قسمة الله، فان العرض اللبناني «لطيف»، لأنه يتسع لهيفاء وهبي وزياد رحباني ونانسي بنفس الدرجة التي يتسع فيها للحريري وجنبلاط وبري.
اما نحن ففوق المعرض الخشن.. شبح المربع الأول.