بين بغداد وبين ابوظبي توجد المفارقة، ولا شيء غير المفارقة. روى لي مغترب عراقي في لندن انه حين اصطحب عائلته للمرة الاولى الى بغداد عاد منها احد ابنائه الى لندن وهو يشكر اباه على هجرته، وعلى انه بسبب تلك الهجرة لم يولد في بلد الأسلاف. ثم لما ساح الرجل نفسه بابنه الى ابو ظبي رجع منها وقد اتخذ الابن قرارا بان تكون عاصمة الامارات مكانا لعمله. بغداد التي كانت حلما لذلك الشاب انطوت وكأنها صفحة من الماضي. وابو ظبي التي ذهب اليها من دون ان تشكل في نفسه شيئا اصبحت بالنسبة اليه المستقبل.
واول ما يلفت انتباهك وانت قادم من بغداد ذلك الاعمار الذي يبدو زائدا عن الحد في ابو ظبي. وهو على درجة من التسارع يجعلك تتوه في مدينة تعرفها وكنت مقيما فيها الى وقت قريب وعلى مدى سنوات. مثلما يلفتك في بغداد ذلك الاصرار على خراب زائد عن الحد. لكأنه الفرق بين عقيدتين. عقيدة الإعمار مقابل عقيدة الدمار. عقيدة الرفاه مقابل عقيدة الحرمان. الأمان مقابل الخوف. النظافة مقابل الذبان.
والذباب قصة في بغداد، بينما ليس له اي خبر في ابو ظبي. ودخلت مع الصديق عبد المجيد الهيتي، مضيفي في ابو ظبي، في سؤال وجواب حول الموضوع. فقال الهيتي ما معناه ان للذبان والديدان والفئران بنى تحتية، وله عمران لا يرى في العيان، واول ما يفعله المهندسون والبناؤون المختصون هو القضاء على تلك البنى التحتية قضاء مبرما، حتى تخلو قطعة الارض منها خلوا تاما. ثم يبدأ التشييد. وهذا هو سر غياب الذبان في بلاد العربان التي انتهجت العمران! ولعل امانة العاصمة العراقية تفيد من خبرة امانة العاصمة الاماراتية، اذا اخذت اتجاها معاديا للذبان. وقد وجدت الشيء الصحيح الوحيد في نهج المرحوم خير الله طلفاح، الذي عمل يوما محافظا لبغداد، هو التزامه نهج عداوة الذبان. حتى جاء احد مؤلفاته، التي كانت تباع بالغصب والعدوان، بعنوان « ثلاثة كان على الله ان لا يخلقهم: فارس ويهود وذبان». واما موقفه هذا من فارس ويهود، فهو مما يندى له الجبين. وهو موقف لا يمكن ان تقوم له قائمة الا في بلدان ليس فيها للقانون قائمة.
لكنني ابصم بالعشرة على موقفه من الذبان، من دون ذلك العتب الذي لا محل له امام من لا يحمد على مكروه سواه. وهذا مع انني اتحفظ على حجم ايمانه بمبدأ عداوة الذبان. اذ انني اشكك في ان يكون الرجل قد ترجم موقفه عمليا وعلميا الى درجة اخلاء الواقع من أسراب الذبان وألاعيبه. فخلال ولايته وبعدها ثم الى اليوم مازالت المشكلة قائمة، بل هي في استعار. ما فارقت منشة قتل الذباب بيتا عراقيا. شخصيا ظلت في كثير من الحالات تمسك ذبابة، او قوم من الذباب بخناقي، فيشعرني بالدوار. مرة حاصرتني واحدة من هذه القومية البغيضة خلال مقابلة تلفزيونية واستمرت في ازعاجي الوقت كله. وقد بلغت الوقاحة بهذه المخلوقات حد ان وجدت واحدا منها على متن احدى طائرات الخطوط الجوية العراقية. ورغم حقدي، المكثف والمركز والمقطر، على الذباب فقد خانتني ذاكرتي ولم اعد اتذكر ما اذا اكملت الرحلة معنا الى بيروت ام ان « اخو خيته» من الركاب ادى الواجب معها. ولعل علاقة الذباب ببلدنا علامة من علامات القيامة. فقد جاء في الحديث « عمر الذباب اربعون يوما، والذباب في النار». وحسب تفسير «لسان العرب» فان كون الذباب في النار «ليس لعذاب له وانما ليعذب به اهل النار بوقوعه عليهم». وفي هذه صدق لسان العرب.