استاذنا خالد القشطيني ماسك برماد التشاؤم ازاء مستقبل الحضارة الغربية ويقول انها الى افول والى نهاية شأن كل حضارة قامت في التاريخ. وهو يعيد توقعه نهاية الحضارة الغربية الى الفساد. يقول ان الفساد لم يكن معهودا في بريطانيا التي اتاها شابا ولكنه اصبح معهودا اليوم. فبين فترة واخرى تظهر قصة فساد.
وكلما يأتي الحديث على ذكر الفساد اعود الى ذكرى رجل عرف بنزاهته واستقامته. لم تكن لديه نزوات ولا اهواء عاصفة. وكان عمره مختزلا بين البيت والجامعة التي يدرس فيها. ذلك هو عمانوئيل كانت. وقد قال يوما هذه الجملة الرهيبة:» من نسيج الانسان الفاسد لم يصنع اي شيء مستقيم».
وسألت القشطيني: من اين لهذا الرجل الذي لم يكن اجتماعيا ولا صاحب مغامرات او خبرات هذه الرؤية النافذة؟ قال: انه الانصراف التام الى العمل الفكري. لم يكن الرجل او امثاله يلهثون وراء توفير لقمة الخبز. كانت الجامعات توفر لهم كل شيء.
وروى لي كيف ان جامعة اكسفورد في القرن التاسع عشر كانت تهيء لبعض اساتذتها المشرفين على الاطروحات صوامع مستقلة لكل واحد منها، وامام كل صومعة حديقة صغيرة لا يحق للطلاب او لغيرهم المشي فيها، فهي مخصصة للاستاذ فقط. فاذا مل الصومعة واحتاج الى تحريك جسمه او الشمس او الهواء خرج ليتمشى فيها. هؤلاء كانوا يذهبون الى اقاصي المعرفة في مجالاتهم او اختصاصاتهم.
واعادني حديث ابو نائل عن اصحاب الصوامع هؤلاء الى رواية ( لعبة الكرات الزجاجية) لهرمن هيسة. ومسرح الرواية صومعة يعيش ابطالها على دراسة الفكر والموسيقى. وكان هرمن هيسة يكتب تلك الرواية بينما تغرق بلاده في بذاءة انحدرت الى مستوى حرق الكتب ايام النازية. فكانت تلك الرواية العظيمة بمثابة موقف نقدي، او حرب سامية على « عصر صحافة التسلية». لقد حول هرمن هيسة « زعله» من انحدار بلده الى رد فعل ايجابي احيا به أنبل واعظم ما في التقاليد الثقافية الألمانية. لقد أخرج المانيا رفيعة من رماد المانيا وضيعة. وهكذا فان هذا النوع من المواقف كان يعيد للغرب توهجه، وينقذه من كبواته. ان الطابع النقدي للحضارة الحديثة هو سر حيويتها.
وقبل الفكر النقدي كان هناك العلم الطبيعي الذي كان سباقا في نقد مسلمات العصور القديمة والوسيطة. فعندما تحرر العلم الطبيعي من الغيبيات وتعلمن وتحددت وظيفته بفهم الطبيعة اصبحت هناك علوم طبيعية واحدة تدرس في كل بلدان العالم. فالفيزياء والكيمياء والاحياء وبقية العلوم اصبحت واحدة في كل مكان. وكذلك مناهج العلوم الانسانية والفكر والادب والفن. وهكذا لم تعد هناك حضارة غربية معزولة يمكن ان تموت كسالفاتها. بل هناك حضارة عالمية واحدة تجمعت فيها كل روافد الحضارات السابقة.
وأما نحن فاعتقد ان « زعلنا» من واقعنا يجب ان يتمثل زعل هرمن هيسة، لا زعل ذلك المثقف العراقي الذي قيل انه طلق بلده بالثلاث لأنه فقد فرصة ان يكون زعيما!