بغداد ـ العالم
مع كل تراجع في أسعار النفط، يعود القلق الاقتصادي ليفرض نفسه بقوة على المشهد العراقي، مستحضراً ذكريات الأزمة المالية الخانقة التي عاشتها البلاد عام 2020، حين وجدت الحكومة نفسها عاجزة عن الإيفاء بالتزاماتها الأساسية، وفي مقدمتها رواتب الموظفين. واليوم، ومع مؤشرات انخفاض أسعار النفط وتجدد المخاوف من ضغوط مالية محتملة، يتجدد الحديث عن إمكانية لجوء العراق مجدداً إلى تطبيق «الورقة البيضاء»، بوصفها برنامجاً إصلاحياً تبنّته الحكومة السابقة بدعم من صندوق النقد الدولي والبنك الدولي.
وبينما يحذّر خبراء اقتصاديون من أن انخفاض أسعار النفط إلى مستويات حرجة قد يدفع الحكومة إلى خيارات قاسية تمسّ حياة المواطنين بشكل مباشر، تنفي اللجنة المالية النيابية وجود أي نية رسمية لخفض الرواتب أو رفع سعر صرف الدولار أو إلغاء البطاقة التموينية، ما يضع الشارع العراقي أمام تساؤل مركزي: هل تعود «الورقة البيضاء» كحل اضطراري، أم أن الحكومة تمتلك بدائل أقل كلفة اجتماعياً؟ ويرى مختصون في الشأن الاقتصادي أن الاقتصاد العراقي ما يزال شديد الارتهان لأسعار النفط، الأمر الذي يجعل أي هبوط حاد في السوق العالمية ينعكس سريعاً على الإيرادات العامة وقدرة الدولة على الإيفاء بالتزاماتها. وفي هذا السياق، يرجّح الخبير الاقتصادي حيدر الشيخ أن تلجأ الحكومة الحالية أو المقبلة إلى إعادة تفعيل «الورقة البيضاء» في حال انخفض سعر برميل النفط إلى ما دون 60 دولاراً.
ويشير الشيخ إلى أن «الورقة البيضاء» طُبّقت لأول مرة في عهد حكومة مصطفى الكاظمي، بعد الانهيار الكبير في أسعار النفط خلال جائحة كورونا، عندما واجهت الدولة صعوبة حقيقية في تأمين رواتب الموظفين. ويؤكد أن اللجوء إليها لم يكن خياراً سياسياً بقدر ما كان إجراءً اضطرارياً لاحتواء أزمة مالية خانقة.
ويضيف الشيخ أن من بين أبرز بنود «الورقة البيضاء» مقترح رفع سعر صرف الدولار، بوصفه أداة لزيادة الإيرادات العامة بالدينار، ما يتيح للحكومة الإيفاء برواتب الموظفين والمتقاعدين وشبكة الحماية الاجتماعية. لكنه يحذّر في الوقت نفسه من أن هذا الإجراء يعني عملياً تآكل قيمة الدينار وانخفاض القوة الشرائية للمواطنين، ولا سيما ذوي الدخل المحدود.
وبحسب الشيخ، فإن الإيرادات المالية للعراق شهدت تراجعاً واضحاً خلال العام الحالي، إذ انخفضت إلى ما دون 120 تريليون دينار بعد أن كانت تتجاوز 130 تريليون دينار سنوياً. ويؤكد أن هبوط أسعار النفط إلى أقل من 60 دولاراً سيؤدي إلى تراجع الإيرادات إلى ما دون 100 تريليون دينار، وهو مستوى وصفه بـ«الخطير»، كونه سيدفع الحكومة نحو خيارات قاسية، على رأسها تفعيل «الورقة البيضاء» ورفع سعر الصرف الرسمي.
في المقابل، تنفي اللجنة المالية في مجلس النواب وجود أي توجه حكومي حالي أو مستقبلي لخفض الرواتب أو إلغاء البطاقة التموينية أو رفع سعر صرف الدولار.
ويؤكد عضو اللجنة مصطفى خليل الكرعاوي أن هذه الملفات «خارج جدول الأولويات الحكومية»، مشدداً على التزام الحكومة بالحفاظ على القوة الشرائية للمواطن وضمان استمرار الدعم التمويني.
ويضيف الكرعاوي أن أي قرار اقتصادي كبير يمسّ حياة المواطنين لن يُتخذ بمعزل عن البرلمان، بل سيكون ثمرة تشاور ومناقشة موسّعة، بما يضمن المصلحة العامة. ويصف الأحاديث المتداولة عن خفض الرواتب ورفع الدولار بأنها «إشاعات» تسهم في إثارة القلق والبلبلة داخل المجتمع، داعياً وسائل الإعلام والجمهور إلى الاعتماد على المصادر الرسمية.
غير أن هذا النفي النيابي لا يُنهي الجدل، خاصة في ظل تحذيرات أطلقها خبراء اقتصاديون آخرون، من بينهم نبيل المرسومي، الذي تحدث بصراحة عن كلفة «الورقة البيضاء» الاجتماعية، واصفاً إياها بأنها جزء من وصفات صندوق النقد الدولي والبنك الدولي لإدارة الأزمات في الدول النامية.
ويشير المرسومي إلى أن هذه المؤسسات الدولية تعزو الأزمات الاقتصادية في البلدان النامية إلى اختلالات في السياسات الاقتصادية الكلية، وتدفع باتجاه إصلاحات جذرية غالباً ما تكون على حساب الأهداف الاجتماعية والفئات الفقيرة. ويعدد المرسومي حزمة الإجراءات التي تتضمنها هذه الإصلاحات، بدءاً من تخفيض سعر صرف العملة ورفع أسعار الفائدة، مروراً بتقليص الدعم الحكومي وخفض الإنفاق العام، وصولاً إلى إعادة هيكلة القطاع العام وخصخصة المؤسسات الخاسرة.
ويؤكد المرسومي أن العراق بدأ فعلياً بتطبيق برنامج الإصلاح هذا عام 2020 تحت مسمى «الورقة البيضاء»، وكان من المفترض أن يشمل تخفيض فاتورة الرواتب، وإعادة هيكلة سلم الأجور، وفرض ضرائب على مخصصات الموظفين، فضلاً عن تقليص الدعم الحكومي، بما في ذلك البطاقة التموينية ورفع أسعار الطاقة. ويحذر المرسومي من أن رفع سعر صرف الدولار، الذي طُبق بالفعل بنسبة 23% في تلك الفترة، ترك آثاراً سلبية واضحة على الطبقة الفقيرة وحتى المتوسطة، وأسهم في ارتفاع معدلات التضخم وتراجع مستوى المعيشة. ويخلص المرسومي إلى أن «الورقة البيضاء» تحمل كلفة اجتماعية باهظة يتحملها الفقراء وذوو الدخل المحدود، داعياً إلى البحث عن خيار وطني بديل للإصلاح الاقتصادي، يوازن بين متطلبات الاستقرار المالي والحفاظ على العدالة الاجتماعية.
وبين هذه الرؤى المتباينة، يبقى مستقبل «الورقة البيضاء» مرهوناً بتطورات أسعار النفط وقدرة الحكومة على إيجاد حلول اقتصادية تقلل من اعتماد البلاد على مورد واحد، وتجنّب المواطن العراقي تبعات أزمات لم يكن طرفاً في صنعها.