تواجه الدول التي تتعرض لاستنزاف خارجي مرتفع الكلفة وضعًا مركّبًا تتقاطع فيه الضغوط الأمنية والاقتصادية والسياسية مع الحاجة الملحّة إلى إصلاح داخلي عميق، إذ يتحول الإصلاح في مثل هذا السياق من خيار سيادي إلى معادلة دقيقة بين الصمود الخارجي وإعادة بناء الداخل، وهو ما يجعل أي خطأ في التقدير مضاعف الأثر ويهدد الاستقرار الكلي للدولة.
أولى التحديات تتمثل في استنزاف الموارد، حيث تؤدي المواجهات الخارجية أو الالتزامات الأمنية الممتدة إلى تحويل جزء كبير من الموازنات العامة نحو الإنفاق الدفاعي والطوارئ، ما يقلّص المساحة المالية المتاحة للإصلاحات الاقتصادية والخدمية، ويؤدي في الوقت ذاته إلى إنهاك البنية الإنتاجية وتعميق الاعتماد على الموارد الريعية أو المساعدات الخارجية، وهو ما يضعف الاستقلال الاقتصادي ويقيد القرار الإصلاحي.
التحدي الثاني يرتبط بتآكل الشرعية السياسية، إذ تميل الدول تحت الضغط الخارجي إلى تأجيل الإصلاحات السياسية أو تقليصها بذريعة الحفاظ على الجبهة الداخلية، لكن هذا التأجيل المتكرر يراكم فجوة الثقة بين الدولة والمجتمع، ويحوّل خطاب “الظرف الاستثنائي” إلى عامل تبرير دائم يفرغ فكرة الإصلاح من مضمونها، ويزيد من قابلية المجتمع للاحتقان أو الاستقطاب.
ويبرز في هذا السياق تحدٍ ثالث خاص بالدولة ذات المشروع العقائدي العابر للحدود، حيث تتحول العقيدة من كونها مصدر تعبئة وتماسك في مراحل التأسيس أو الصراع الوجودي إلى عبء ستراتيجي متصاعد حين تستمر بوظيفتها التعبوية ذاتها داخل سياق دولة مستقرة نسبيًا لكنها مثقلة بالاستنزاف، إذ يؤدي تثبيت العقيدة في موقع “المحرّك الخارجي” بدل إعادة موضعتها كإطار قيمي داخلي إلى تضخم الالتزامات العابرة للحدود على حساب الاحتياجات الوطنية المباشرة، وتتحول الطاقة الرمزية للعقيدة من عامل تعبئة مجتمعية إلى مصدر إنهاك اقتصادي وتوتر اجتماعي حين يعجز الخطاب الرسمي عن ترجمتها إلى تحسين ملموس في مستوى المعيشة والعدالة والفرص، كما يؤدي غياب هذا التحويل إلى نشوء فجوة إدراكية بين الدولة والمجتمع، حيث تبقى العقيدة فاعلة في خطاب النخب والمؤسسات، لكنها تفقد قدرتها على الإقناع في الحياة اليومية للمواطن، وهو ما يجعلها تدريجيًا عبئًا دفاعيًا يحتاج إلى الحماية بدل أن تكون رصيدًا تعبويًا يولّد الشرعية، ولا يمكن تجاوز هذا المأزق إلا عبر إعادة تموضع واعٍ للعقيدة داخل المشروع الوطني بوصفها مرجعية قيمية جامعة تضبط السلوك الداخلي وتحدّد أولويات الإنفاق والعدالة قبل أن تُستخدم كأداة اشتباك خارجي، بما يحولها من كلفة ستراتيجية مفتوحة إلى رصيد داخلي مستدام يعزز الصمود بدل أن يستنزفه
أما التحدي الرابع فيكمن في تضخم الجهاز البيروقراطي وضعف الكفاءة المؤسسية، حيث تؤدي حالة الطوارئ المستمرة إلى ترسيخ أنماط إدارية أمنية أو مركزية مفرطة، تعيق الابتكار المؤسسي وتضعف القدرة على تنفيذ إصلاحات هيكلية طويلة الأمد، كما تعزز ثقافة الحفاظ على الوضع القائم بدل تغييره.
ويبرز تحدٍ خامس يتمثل في هشاشة الجبهة الاجتماعية، إذ يؤدي الاستنزاف الخارجي إلى ارتفاع كلفة المعيشة وتراجع الخدمات وازدياد معدلات الفقر والبطالة، ما يجعل أي إصلاح اقتصادي غير مدروس اجتماعيًا محفوفًا بالمخاطر، وقد يتحول من أداة إنقاذ إلى عامل تفجير داخلي.