بغداد – العالم
أثار قرار الحكومة بإيقاف استيراد البنزين وزيت الغاز (الكاز) والنفط الأبيض، بدعوى تحقيق الاكتفاء الذاتي، جدلاً واسعاً بين خبراء الاقتصاد والطاقة وأعضاء مجلس النواب، بين مشكك في القدرة الإنتاجية المحلية على تغطية الطلب المتزايد، ومؤيد يرى أن الخطوة تمثل تحولاً مهماً نحو تعزيز استقلال العراق في قطاع الطاقة وتخفيف الضغط عن الخزينة العامة.
القرار الذي وجّه به رئيس الوزراء محمد شياع السوداني، جاء في وثيقة رسمية نصّت على أن "الجهود الكبيرة خلال السنوات الثلاث الماضية أسفرت عن تشغيل مصافٍ جديدة ورفع الإنتاج المحلي من المشتقات النفطية إلى مستويات تفوق معدلات الاستهلاك المحلي"، لتعلن الحكومة بذلك إنهاء مرحلة الاستيراد التي طالما مثّلت عبئاً مالياً سنوياً ضخماً على الدولة.
لكن هذا الإعلان قوبل بتساؤلات حادة من قبل عدد من النواب والخبراء، كان أبرزهم النائب مصطفى سند، الذي أبدى شكوكاً حول واقعية الأرقام الحكومية.
وقال سند إن "العراقيين يستهلكون يومياً نحو 34 ألف متر مكعب من البنزين، فيما يبلغ الإنتاج المحلي من جميع المصافي 27 ألف متر مكعب فقط، أي أن هناك عجزاً يومياً يقدّر بنحو 7 آلاف متر مكعب"، مضيفاً أن "الاستيراد أو السحب من الخزين كان يغطي هذا النقص، ما يطرح تساؤلات عن آلية التعويض بعد إيقاف الاستيراد".
وتابع أن "الخزين الحالي من البنزين يبلغ 215 ألف متر مكعب، فيما الحد الأدنى الذي يُعدّ حرجاً هو 200 ألف متر مكعب، أي ما يكفي لعشرين يوماً فقط من دون استيراد"، وهو ما وصفه بـ"مخزون هش لا يمكن الركون إليه في حال حدوث طارئ أو زيادة موسمية في الطلب". في المقابل، يرى مختصون أن القرار يعكس ثقة متزايدة بقدرات العراق الإنتاجية وتحسناً ملحوظاً في أداء قطاع التصفية، بعد إدخال مصافٍ جديدة إلى الخدمة مثل مصفى كربلاء الذي رفع الطاقة التكريرية للبلاد إلى أكثر من مليون برميل يومياً.
يقول الخبير في الشأن النفطي والاقتصادي أحمد عسكر إن "القرار يأتي في توقيت استراتيجي بعد أن تمكن العراق فعلياً من بلوغ الاكتفاء الذاتي في المشتقات الأساسية الثلاث"، موضحاً أن "هذه الخطوة ستوفر مليارات الدولارات التي كانت تذهب سنوياً للاستيراد، وتُوجَّه بدلاً من ذلك إلى مشاريع البنى التحتية والتنمية".
ويشير عسكر إلى أن "الاكتفاء الذاتي الحالي هو ثمرة استثمارات حكومية كبيرة في المصافي والتكرير، لا سيما مشروع كربلاء ومشاريع التأهيل والتطوير في مصافي البصرة والناصرية والبيجي"، مؤكداً أن "تحقيق هذا الهدف يعزز من استقلالية القرار الاقتصادي، ويتيح للعراق مستقبلاً تصدير الفائض من المشتقات النفطية".
ورغم ذلك، يرى مراقبون أن الحديث عن "الاكتفاء الذاتي الكامل" يبقى مرهوناً باستقرار الإنتاج والطلب في آن واحد، إذ إن أي توقف طارئ في إحدى المصافي الكبرى أو زيادة في استهلاك الطاقة خلال فصل الشتاء قد يعيدان العراق إلى دائرة الحاجة للاستيراد ولو مؤقتاً.
ويحذر مختصون من أن خطوة الإيقاف الفوري للاستيراد قد تشكل ضغطاً على السوق في حال لم تكن آليات التوزيع والتخزين جاهزة لتلبية الطلب المتنامي، خاصة في المحافظات البعيدة عن مراكز الإنتاج، ما قد يؤدي إلى اضطراب مؤقت في الإمدادات أو ارتفاع الأسعار.
وفي المقابل، يؤكد مؤيدو القرار أنه ينسجم مع توجهات الحكومة نحو تعزيز الإنتاج الوطني وتقليل الاعتماد على الخارج، ويرون أن التجارب السابقة أثبتت قدرة وزارة النفط على إدارة الفائض والاحتفاظ بخزين استراتيجي مناسب، خصوصاً مع خطط الوزارة لزيادة الطاقة التكريرية إلى 1.5 مليون برميل يومياً بحلول عام 2026.
ويشير هؤلاء إلى أن الوفورات المالية المتوقعة من وقف الاستيراد، والتي تُقدّر بعدة مليارات من الدولارات سنوياً، يمكن أن تُستخدم في تحديث المصافي وتحسين نوعية الوقود المنتج محلياً، إضافة إلى تطوير قطاع الغاز المصاحب لتقليل الهدر وتحقيق توازن في معادلة الطاقة.
وبين التشكيك والتفاؤل، يبقى تنفيذ القرار اختباراً عملياً لقدرة العراق على تحقيق اكتفاء فعلي ومستدام من المشتقات النفطية، ومدى نجاح الحكومة في الحفاظ على استقرار السوق وتفادي أي انعكاسات على الأسعار أو الخدمات العامة، في وقت تتجه فيه البلاد نحو سياسات طاقوية جديدة تستهدف تنويع مصادر الدخل وتقليص الاعتماد على النفط الخام كمصدر وحيد للإيرادات.