الحلقة الاولى
المدخل المنهجي: في تعريف “الإنجاز” وضبط معيار التقييم
تُواجه أي محاولة لتقييم أداء الحكومات في العراق إشكالية منهجية أساسية تتمثل في غياب معيارٍ متفق عليه لمعنى “الإنجاز”، حيث تختلط في الخطاب العام القراراتُ بالنتائج، والنواياُ بالأثر، والإعلاناتُ بالتحقق الفعلي على الأرض. ومن هنا، فإن هذه الدراسة تنطلق أولًا من ضرورة ضبط المفاهيم قبل الخوض في الوقائع، بوصف ذلك شرطًا لازمًا لأي تقييم محايد وعادل. كل ذلك في اطار نظرية عامة او فلسفة خاصة الدولة ان وجدت.
تعتمد هذه الدراسة تعريفًا مركّبًا للإنجاز الحكومي، يقوم على سلسلة مترابطة من المراحل لا يُعتدّ بأي حلقةٍ منها منفردة. فالإنجاز، في معناه التحليلي، ليس قرارًا إداريًا معزولًا، ولا تشريعًا قانونيًا بذاته، ولا تخصيصًا ماليًا على الورق، بل هو عملية تبدأ بصياغة سياسة عامة واضحة، ثم تمرّ بإطارها التشريعي إن تطلّب الأمر، وتتبعها عملية تمويل مضمونة، ثم تنفيذ فعلي، لتنتهي أخيرًا بأثر ملموس يمكن رصده وقياسه في الواقع الاجتماعي أو الاقتصادي أو المؤسسي.
وبناءً على ذلك، تميّز الدراسة تمييزًا صارمًا بين خمسة مستويات:
السياسة العامة بوصفها تصورًا موجّهًا، والتشريع بوصفه الإطار القانوني، والتمويل بوصفه الضمان التنفيذي، والتنفيذ بوصفه الفعل الإداري والمؤسسي، ثم الأثر بوصفه النتيجة النهائية التي تبرّر إطلاق وصف “الإنجاز”. ولا يُحتسب أي إجراء حكومي إنجازًا كاملًا ما لم يبلغ المستوى الأخير، أو على الأقل يُظهر انتقالًا واضحًا ومثبتًا نحوه.
كما تعتمد الدراسة مبدأ التمييز بين “القرار” و“النتيجة”، إذ إن صدور القرار، مهما كانت أهميته السياسية أو الإعلامية، لا يعني بالضرورة تحقّق النتيجة المقصودة منه. فالقرار قد يظلّ معلقًا، أو يُنفّذ جزئيًا، أو يُفرغ من مضمونه بفعل العوائق البنيوية أو الإدارية أو السياسية. وعليه، فإن قرارات مجلس الوزراء، أو البيانات الرسمية، أو التصريحات الحكومية، تُعامل في هذه الدراسة بوصفها مواد أولية للتحليل، لا بوصفها براهين نهائية على الإنجاز.
وتستند عملية التحقق في هذه الدراسة إلى مصادر متعددة ومتقاطعة، تشمل الوثائق الحكومية الرسمية، والقوانين المصوّت عليها، والبيانات المالية، وتقارير المتابعة التنفيذية، إضافة إلى تقارير المؤسسات الدولية المستقلة كلما كان ذلك ممكنًا، وذلك بهدف تقليل الانحياز، وتوسيع زاوية النظر، وربط الأداء الحكومي بالمؤشرات الواقعية لا بالسرديات السياسية.
ومن الناحية المنهجية، تلتزم الدراسة بعدم إصدار أحكام قيمية مسبقة، سواء بالإدانة أو التبرير، وتتعامل مع أداء الحكومة بوصفه نتاجًا لتفاعل معقّد بين الإرادة السياسية من جهة، والقيود البنيوية من جهة أخرى، دون الخلط بين توصيف الواقع وتبريره. فالغاية هنا ليست الدفاع عن الحكومة ولا محاكمتها، بل فهم ما جرى، وكيف جرى، ولماذا نجح بعضه وتعثّر بعضه الآخر.
بهذا المدخل، تؤسّس الدراسة ميزانًا واضحًا للتقييم، وتضع القارئ منذ البداية أمام إطار تحليلي معلن، يجعل ما سيأتي لاحقًا من فصول ونتائج خاضعًا لمعيار واحد ثابت، لا لتقلّبات المزاج السياسي أو الاستقطاب الإعلامي.
يتبع..