حفلات الزفاف بين الأصالة والتشويه: عندما يُفسد العُرف اللحظة الأجمل
20-كانون الثاني-2025

الاكاديمية: اسراء نجم عبد
تمهيد: الزفاف بوصفه احتفالًا بالحياة المشتركة
يُعدُّ حفل الزفاف مناسبةً استثنائية في حياة الإنسان، إذ يمثل بداية عهد جديد بين شريكين يختاران أن يسيرا معًا في دروب الحياة، متقاسمين أفراحها وأتراحها، متجاوزين تحدياتها، ومتقاسمين مسؤولياتها. وخلال هذا الحفل، تتجلى مجموعة من الطقوس والرموز التي تعكس طبيعة العلاقة المستقبلية بين الزوجين، ومن أبرزها تبادل العروسين لقطعة من كعكة الزفاف، وهو تقليد يحمل في طياته دلالات عميقة تتجاوز مجرد كونه مشهدًا احتفاليًا.
غير أنّ هذا التقليد، الذي ظلَّ طويلًا يعكس أسمى معاني التشارك والاهتمام، بات في الآونة الأخيرة عرضةً لتحوير جوهري أفقده معناه الأصلي، إذ انتشر بين بعض الأزواج سلوكٌ يخلّ بهذه الرمزية، حيث يُقدِم العريس على إطعام والدته أو والده قبل العروس، في مشهد يُلقي بظلالٍ من الإحراج والارتباك على العروس، ويخلق حالةً من التساؤل حول الأولويات التي يتم ترسيخها في هذه اللحظة المفصلية.
الزفاف والرمزية الاجتماعية: لماذا تُعد هذه اللحظة مهمة؟
تتمحور حفلات الزفاف حول طقوس محددة تعكس الأدوار المتوقعة من الزوجين، وتجسد التزامهما ببعضهما البعض. ولحظة تبادل الكعكة ليست مجرد تفصيل ثانوي، بل إنها تحمل أبعادًا اجتماعية ونفسية عميقة، إذ تمثل صورةً مصغرة لجوهر العلاقة الزوجية القائمة على التفاهم والمساندة. فعندما يقدّم العريس قطعة الكعكة لعروسه، فإنّه يُعلن أمام الجميع أنه سيحرص على توفير الراحة لها، كما أن العروس حين تبادله هذه البادرة، تُعبر عن استعدادها لتقديم الدعم والعناية بشريك حياتها.
لكن حين يتم تحوير هذا المشهد ليشمل طرفًا ثالثًا، سواء كان الأم أو الأب، فإن المعنى الأساسي لهذه اللحظة يختلّ، ويصبح الحدث مُحمّلًا بدلالات لا تتناسب مع سياق المناسبة.
التشويه التدريجي للمفهوم: عندما يُهمَّش دور العروس في يومها الخاص
ما يجري في بعض حفلات الزفاف من قيام العريس بإطعام والدته أو والده أولًا ليس مجرد تصرف عفوي أو فردي، بل هو انعكاس لتحولات اجتماعية وثقافية عميقة، تسلط الضوء على بعض المفاهيم المغلوطة حول الأولويات في الحياة الزوجية.
من زاوية نفسية، يخلق هذا التصرف لدى العروس إحساسًا بالتهميش، إذ تجد نفسها في موقف لا تحسد عليه، فبدلًا من أن تكون هي محور الاهتمام في هذه اللحظة الخاصة، تصبح شاهدًا على موقف يُشعرها وكأنها عنصر ثانوي، أو أن العلاقة الزوجية التي تبدأها لا تحتل الأولوية القصوى في ذهن شريكها. وفي بعض الحالات، قد يُحفّز هذا السلوك رد فعل مماثل من العروس، فتبادر بدورها إلى إطعام والدها أو والدتها، مما يُحوّل المشهد برمّته إلى ساحة غير متوقعة للمنافسة العائلية، بدلًا من أن يكون لحظة انسجام بين الزوجين.
أمثلة من الواقع: عندما يتحول الزفاف إلى ساحة خلاف
لا تقتصر تبعات هذا السلوك على الشعور بالانزعاج، بل قد تصل في بعض الأحيان إلى حد إفساد الحفل بالكامل، كما حدث في بعض الحالات التي تم تداولها عبر وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي.
في إحدى حفلات الزفاف، قام العريس بإطعام والدته أمام الحضور، متجاهلًا العروس التي وقفت مذهولة أمام هذا التصرف، غير مدركة كيفية التعامل معه. وبسبب شعورها بالإحراج الشديد، قررت العروس الرد بالمثل، فأطعمت والدها وسط تصفيق الحضور الذين انقسموا بين مؤيد ومعارض. لكن الأمر لم يتوقف عند هذا الحد، بل تحول إلى جدل واسع بين العائلتين، أدى في النهاية إلى توتر العلاقات بينهما، وألقى بظلاله على الزواج الذي بدأ بتوتر غير مبرر.
في مثال آخر، تسبّب تصرف مماثل في إلغاء حفل زفاف، بعد أن عبّرت العروس عن استيائها الواضح مما اعتبرته تجاهلًا لها في أهم لحظات يومها، وأصرّت على مغادرة الحفل، رافضة استكماله، ما أدى إلى نهاية غير متوقعة لهذا اليوم الذي كان من المفترض أن يكون مليئًا بالفرح والاحتفال.
بين الحب والاحترام: متى يكون التعبير في غير محله؟
ليس هناك خلاف على أن حب الوالدين واحترامهما واجب لا جدال فيه، ولا ينبغي بأي حال من الأحوال التقليل من قيمته. ومع ذلك، فإن لكل مناسبة خصوصيتها، ويوم الزفاف هو يوم مُخصَّص للزوجين، يُفترض فيه أن يكونا هما محور الحدث، وأن تعكس جميع طقوسه معاني الشراكة الزوجية، لا الروابط العائلية الأخرى.
إظهار الامتنان للوالدين يمكن أن يتم بطرق أخرى أكثر ملاءمة، كأن يُقدم العريس والعروس معًا قطعة من الكعكة لوالديهما بعد إتمام طقوس الزفاف الأساسية، مما يحفظ لهذه اللحظة خصوصيتها ورمزيتها، دون أن يؤدي إلى تشويهها أو إرباك السياق الطبيعي للاحتفال.
دعوة إلى إعادة النظر في العادات المستحدثة
إن التقاليد الاجتماعية ليست جامدة، بل هي في حالة تطور دائم، ومن المهم أن يكون هذا التطور متوازنًا بحيث يحافظ على القيم الإيجابية دون المساس بجوهر المفاهيم الأساسية. والممارسات المستحدثة في حفلات الزفاف، مثل إدخال أطراف أخرى في لحظة تبادل الكعكة، تحتاج إلى إعادة تقييم، لأن الاستمرار فيها قد يؤدي إلى ترسيخ مفاهيم خاطئة حول طبيعة العلاقة الزوجية، ويعزز منطق المنافسة بين الأدوار العائلية بدلًا من تعزيز روح التفاهم والتكامل.
على العرسان أن يدركوا أن يوم زفافهم هو يومهم الخاص، وأن عليهم أن يجعلوه انعكاسًا لما يطمحون أن تكون عليه حياتهم المستقبلية: حياة قائمة على التوازن، والاحترام المتبادل، وإعطاء كل طرف حقه في المكانة والتقدير. وعلى العائلات أن تدرك أن دعم العروسين لا يعني التدخل في تفاصيل يجب أن تكون خالصة لهما، بل يتمثل في تشجيعهما على بناء علاقة متينة تقوم على أسس سليمة، بعيدًا عن الضغوط والإملاءات غير الضرورية.
بين احترام الوالدين واحترام خصوصية الزواج
قد يرى بعض القرّاء أن هذا المقال يحمل في طيّاته انتقاصًا من حق الوالدين أو يُفسَّر على أنه دعوة للتقليل من شأنهما في حياة الأبناء، لكن هذا فهم مغلوط لما طُرح هنا. لا أحد يمكنه أن يُنكر مكانة الوالدين العظيمة في حياة الأبناء، فهما الأصل والأساس، ولهما الفضل الأكبر في تنشئة الأبناء ودعمهم حتى يصلوا إلى هذه المرحلة من حياتهم. ولكن من المهم أيضًا أن نُدرك أن لكل علاقة سياقها، ولكل موقف رمزيته الخاصة.
ما يُطرح في هذا المقال لا يتعارض مع مبدأ برّ الوالدين، بل يسعى إلى وضع الأمور في نصابها الصحيح، بحيث يأخذ كل موقف حقّه الطبيعي دون أن يطغى على غيره. إن تكريم الوالدين يجب أن يكون ممارسة يومية مستمرة طوال الحياة، وليس مجرد لفتة مؤقتة في مناسبة خاصة مثل الزفاف، حيث يكون التركيز الأساسي على العروسين باعتبارهما طرفي الحدث الرئيسيين.
كما أن المقال لا يدعو بأي شكل من الأشكال إلى تهميش دور العائلة في حفلات الزفاف، بل يشدد على ضرورة الحفاظ على التوازن في الأدوار، بحيث يتم احترام جميع الأطراف دون أن يتم إقصاء العروس أو العريس من لحظات رمزية تعني الكثير لهما في بداية حياتهما المشتركة.
إن الاحترام الحقيقي للوالدين لا يكون فقط في تقديم لفتات آنية أمام الناس، بل في التعامل معهم بمحبة ورعاية طوال العمر. والزواج الناجح لا يقوم على المبالغة في إرضاء طرف على حساب طرف آخر، بل على بناء أسس متينة من التفاهم والتوازن بين الشراكة الزوجية والروابط الأسرية. لذلك، فإن الدعوة المطروحة هنا ليست رفضًا لقيم البرّ والاحترام، وإنما توجيه نحو وضع كل شيء في إطاره الصحيح، بحيث نحافظ على المعاني الجميلة لكل من العلاقة الزوجية وعلاقة الأبناء بوالديهم دون خلط غير ضروري بينهما.
خاتمة: دعوة للحفاظ على نقاء اللحظة
إن حفلات الزفاف يجب أن تبقى مناسبة للاحتفال بالشراكة الزوجية، بعيدًا عن أي ممارسات قد تفسد معناها الأساسي. ولحظة تبادل الكعكة ليست مجرد تقليد احتفالي، بل هي رمز عميق لما يجب أن تكون عليه العلاقة بين الزوجين، ولا ينبغي السماح لأي عادات مستحدثة بتشويهها أو إفراغها من محتواها الحقيقي.
إن الزواج الناجح يقوم على أسس واضحة، أولها أن يكون الشريكان على قناعة تامة بأهمية إعطاء الأولوية لبعضهما البعض، وبأن لكل لحظة سياقها المناسب. فاحترام الوالدين واجب دائم، لكنه لا ينبغي أن يكون على حساب لحظات خاصة تُحدد ملامح المستقبل. وختامًا، على المقبلين على الزواج أن يتذكروا دائمًا: يوم الزفاف هو البداية، فاجعلوه بداية صحيحة.
جامعة بغداد / كلية العلوم الإسلامية

الخارجية الأوكرانية تعلق على تقرير مفوضية الأمم المتحدة لحقوق الإنسان
29-آذار-2025
منتجات مصانع كردستان تتكدس.. بغداد تطالب أصحابها بوثائق رسمية واربيل ترفض
18-آذار-2025
اتصال هاتفي بين السوداني وماكرون
18-آذار-2025
نائب: لا تعديل على قانون الانتخابات
18-آذار-2025
زيارة الشيباني إلى بغداد فصل جديد من العلاقات العراقية – السورية
18-آذار-2025
مصير «نور زهير» تسليم الأموال مقابل الحرية
18-آذار-2025
مجمع بزركان النفطي في ميسان يعلن إنشاء وحدة كبس بطاقة تصل إلى 70 مقمق
18-آذار-2025
منتجات مصانع كردستان تتكدس بغداد تطالب أصحابها بوثائق رسمية واربيل ترفض
18-آذار-2025
مختبر الكندي للفحوصات الهندسية والعلمية يحصل على شهادة اعتماد من وزارة التخطيط
18-آذار-2025
النقل: إنجاز المرحلة الأولى لميناء الفاو نهاية العام الحالي
18-آذار-2025
Powered by weebtech Design by webacademy
Design by webacademy
Powered by weebtech