الحلقة الخامسة
١٩٦٦-١٩٧٦
انشقاق سامي البدري
لا يمكن أن أغادر عقد ١٩٦٦–١٩٧٦ دون أن أدلي بشهادتي حول ما صار يُعرف في أدبيات تلك المرحلة بـ انشقاق سامي البدري.
كا سامي البدري، أو السيد سامي البدري، من الدعاة النابهين والعصاميين والموهوبين. طالبًا مجدًّا في كلية الطب بجامعة بغداد، ومحاضرًا بارزًا ومؤثرًا في حسينية آل مباركة التي تحدثتُ عنها في الحلقة السابقة. في فترة ما أصبح مسؤولي الحزبي، وكان ذلك سببًا في أن أقترب منه أكثر، بعد أن كان صديقًا لي رغم فارق العمر بيننا. وبعد فترة، نُقلتُ إلى مسؤول آخر هو الداعية الشهيد جواد سلوم الخفاجي، وكان آخر مسؤول حزبي لي قبل انشقاق سامي البدري. أذكر ليلةً جاءني فيها جواد سلوم غاضبًا، وأخبرني: “إن سامي البدري انشق عن حزب الدعوة”. لم أتفاجأ كثيرًا؛ ففي الفترة التي كان سامي مسؤولي، ومعي دعاة آخرون منهم جعفر سلوم، وعبد الرحيم السعدي، وعدنان السراج، وغيرهم، لاحظتُ أنه توقف عن تدريسنا نشرات الدعوة المركزية. وكان آخر ما صدر منها آنذاك نشرة “نحن وما حولنا” – الحلقة الأولى التي ظهرت في ربيع الثاني ١٣٨٨هـ، بقلم القائد الشهيد محمد هادي السبيتي (رض). لهذه النشرة مكانة خاصة في ذاكرة الدعوة؛ إذ جاء فيها: “ونحن نحتل مكانًا متقدمًا من مرحلتنا الأولى”. بدلًا من هذه النشرات، بدأ سامي يكتب لنا موضوعات جديدة من عنده، مثل: “المعرفة والسلوك”، “المصطلحات الإسلامية”، “القراءة الكونية”، وغيرها من الكتابات التربوية والإيمانية. شخصيًا كنت معجبًا بهذه الموضوعات لما فيها من عمق، لكنني ظللتُ مصرًّا على ضرورة دراسة نشرات الحزب المركزية. على ما يبدو، أثار هذا التوجه خلافات بين سامي البدري والقائد الشهيد الشيخ عارف البصري (رض)، انتهت بخروج البدري من حزب الدعوة. وقد سمعته ذات يوم يقول: إنه انتمى إلى حزب الدعوة بناءً على عقد بينه وبين القيادة، وحين تغيّرت القيادة – في إشارة إلى استشهاد القائد عبد الصاحب دخيل (رض) الذي كان القائد الفعلي للحزب آنذاك – اعتبر نفسه في حلٍّ من هذا العقد.
لكن يبدو من قصة اخرى كنت انا احد اطرافها ان الشهيد عبد الصاحب دخيل لم يكن متضايقا من الافكار الايمانية والتربوية التي كانت يطرحها سامي البدري. انقسمت الصفوف حول موقفه: فبينما رفض خروجه شخصيات مثل جواد سلوم وعبد الأمير هويدي وآخرون، أيّده عبد اللطيف الخفاجي وعبد الرزاق (وقد كانا مسؤولي الحزبيين لفترة) وعزت الشابندر الذي كنت مسؤوله لفترة وغيرهم. أما أنا، فبقيت مع سامي لفترة قصيرة، أقام خلالها صلة مع حركة إسلامية أخرى كانت تُعرف بـ “حركة الشباب العقائديين”، واتفقوا على تأسيس تنظيم جديد باسم الحركة الإسلامية التي أصدرت نشرة “الصراط المستقيم”. ومن الذين عرفتهم في تلك الفترة الأخ المؤمن السيد هشام الهادي وآخرون. لكنني لم أستمر مع هذا التوجه، فقررت العودة إلى حزب الدعوة، وذهبتُ إلى الشيخ عارف البصري الذي أعاد ترتيب ارتباطي بالحزب. غير أن استشهاده في عام ١٩٧٤ قطع هذا الارتباط مرة أخرى، وأحسب أن كثيرًا من العلاقات التنظيمية تقطعت في تلك الفترة بسبب تصاعد هجمات نظام البعث على الدعوة.
كان انشقاق سامي البدري حدثًا فارقًا داخل تنظيم الدعوة، كشف عن اختلاف الرؤى بين “التربوي – الإيماني” و”السياسي – التنظيمي”، وألقى بظلاله على شباب كثيرين كانوا في طور التكوين الفكري والروحي. ولعل شهادتي هذه تسد ثغرة في تدوين تاريخ تلك الحقبة، على أن تفاصيلها الكاملة ما زالت تنتظر من ينقب ويحقق ويكتب.