الحلقة العاشرة
الكويت وبداية عقد جديد (١٩٧٦–١٩٨٤)
بنصيحة من مسؤولي السابق الشهيد جواد سلوم الخفاجي (رض)، غادرتُ العراق في ذكرى انقلاب ١٧ تموز ١٩٧٦. كانت وجهتي القاهرة، ولم أكن أدري ما وراءها. هناك التقيتُ بعدد من الدعاة الذين غادروا العراق للأسباب نفسها: اشتداد الهجمة البعثية الظالمة على الدعوة والدعاة.
استشرتُ القرآن الكريم في أمري، فظهرت لي الآية الكريمة:
“وَمَن يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً”
(النساء: ١٠٠). تفاءلت بها، واعتبرتها بشارة لرحلة جديدة.
أمضينا، أنا وزوجتي وأصدقائي، قرابة الشهرين في القاهرة نبحث عن عمل، حتى وجدنا في النهاية فرصة في الكويت. هكذا غادرنا القاهرة في ٧ أيلول/سبتمبر ١٩٧٦، لتبدأ مرحلة جديدة من حياتي، مرحلة ستستمر — كما أكتب هذه السطور — لما يقارب نصف قرن.
الغربة: الصديقة الجديدة: في اليوم الأول لي في الكويت تعرفتُ لأول مرة على صديقة لم أفارقها طويلًا: الغربة. لم يسبق لي أن ابتعدت عن العراق، عن أمي، عن أهلي. شعرت بفراغ داخلي هائل، وبوحشة ثقيلة لا تسدّها الكتب ولا الاجتماعات ولا الأعمال. كانت الغربة قاسية، تستيقظ معي في الصباح، وترافقني في الطريق، وتنتظرني في المساء. لم تكن مجرد بعدٍ جغرافي، بل جرح مفتوح في الروح. واستمر هذا الجرح حتى عام ١٩٩٨، حين جاءت أمي إلى الأردن هاربة من ضغوط النظام البعثي، وهناك التقيتها لأول مرة بعد فراق دام نحو عشرين عامًا. كان ذلك اللقاء أشبه بضماد على جرح لم يندمل، لكنه ظلّ شاهدًا على قسوة الاغتراب.
فرصة ضائعة قبل الرحيل: لم تكن فكرة مغادرة العراق سهلة عليّ يومًا. بل إنني رفضت أكثر من مرة فرصًا سانحة لذلك. أذكر أن قريبي/عمي المرحوم عبد المنعم الشبوط، وكان يعمل في السفارة الألمانية في بغداد ومسؤولًا عن اختيار المبعوثين، عرض عليّ فرصة الحصول على زمالة دراسية في ألمانيا لنيل الدكتوراه في الأدب الإنجليزي، وهو حقل اختصاصي. لكنني أجبته بعبارة ما زلت أذكرها حتى اليوم: “لا يمكن أن أستبدل الكرادة بألمانيا مهما كان السبب!”. كانت الكرادة آنذاك بالنسبة لي أكثر من حيّ سكني، كانت رمزًا للألفة والنشاط والعمل والهوية.
لست نادما على ذلك.
الدخول إلى الصحافة: بمجرد وصولي إلى الكويت بدأت أكتب مقالات للصحف المحلية. كانت البداية مع صحيفة القبس التي نشرت لي عددًا من المقالات لا أحتفظ بها الآن. ثم التقيت بالشاعر الموهوب أحمد مطر، صديقي القديم من أيام العراق، وكان يعمل في مجلة صوت الخليج. عرفني على رئيس التحرير صلاح خريبط، واقترح أن أعمل معهم. هكذا بدأت صحفيًا مترجمًا، ثم محررًا للشؤون الدولية والإسلامية، ثم سكرتيرًا للتحرير، وأخيرًا مديرًا للتحرير. كان مدير التحرير في البداية صحفيًا فلسطينيًا يُدعى شاكر الجوهري، بدا لي قريبًا من حزب البعث. كان يعمل بعقد أوشك على الانتهاء، ولم يرغب صاحب المجلة، الحاج باقر خريبط، في تجديده. فاختارني لتولي المنصب بدلًا عنه. ويبدو أن الجوهري حمل ضغينة ضدي، إذ ظهر بعد سنوات طويلة في إحدى الفضائيات العراقية ليقول إن “الشبوط كان يتقرب من النظام البعثي بكتابة مقالات تؤيده”. لم أتردد في تكذيبه وتحديته علنًا أن يأتي بمقال واحد يثبت دعواه. لم يفعل ولن يفعل، لأنه يعلم أنه كان يكذب.
التكوين المهني: في تلك الفترة أدركت أنني في ميدان جديد يحتاج إلى أدواته الخاصة. فقرأت كل ما وقع بيدي من كتب حول الصحافة، وأساليب التحرير، وفنون الكتابة. أردت أن أتعلم مهارة جديدة، لا كوظيفة عابرة، بل كأداة فكرية ورسالية. وهكذا بدأت رحلتي الثانية: من سرية العمل الحزبي إلى علنية الكلمة المطبوعة. ومنذ تلك اللحظة، أصبحت الصحافة طريقي الأساسي في التأثير والعمل العام. وما بنيته مهنيًا وفكريًا في الكويت كان هو الأساس الذي هيأني لاحقًا لأدواري الإعلامية في العراق بعد ٢٠٠٣، حيث التقت التجربة مع الرسالة، والكلمة مع الوطن.