ديمقراطية العراق واحدة من الحيرات الكبرى في عالم اليوم. لماذا هي كذلك؟
لا يوجد سبب وحيد. ان التفسير العلمي لظواهر الطبيعة والمجتمع لا يركن الى سبب وحيد في التفسير. السبب الوحيد خيال مثل المصباح السحري. ربما احد اسبابها انها ديمقراطية منفتحة ومكشوف عنها الغطاء. كل شيء في البلد محافظ الا الديمقراطية. فهي بلا برقع. الانتخابات سافرة و»ميني جوب». والعد.. يا الهي..ها هو الآخر ميكري جوب، تعال واتفرج. وأما الفرز.. يا محمدي.. ما ان تبخرت القوات الامنية في 9 نيسان 2003 حتى اصبح البلد «برج بابل»: طوائف وقوميات وأديان وعجمان وعربان كل امرىء يتحدث لغة.
ونحن قدماء في الفرز، بل الأقدم. قيل ان اهل بابل ذهب بهم الغرور حد البدء بتشييد برج كان من المفترض ان يصل الى السماء، ويستطيع الشعب من خلاله رؤية بيوت الالهة. وكان لدى الأخيرة جواسيس تقرأ ما في الصدور. فلما بلغتها التقارير غضبت الالهة واتخذت القرار التاريخي الذي كان سببا في فرز الأمم: انست المواطنين لغتهم الاصلية ووضعت لكل واحد منهم لغة مختلفة عن لغة الاخر، فتعذر عليهم التفاهم، واصبحوا شذر مذر.
ثم اجريت لاحقا على اسلافنا هؤلاء عمليات فرز كبرى خرج العالم منها على شكل شعوب وقبائل. وبينما عرفت تلك الشعوب نوعا من الصهر، فاصبح كل واحد منها يدعى امة، فان الفرز ظل شغالا في العراق، ينام يوما على بركة الله ويستيقظ عشرة على فزع الفتنة.
واليوم يحاول فرج الحيدري وزملاؤه في مفوضية الانتخابات، وبمساعدة الامم المتحدة، الوصول الى آلية فرز واضحة، ترضي دولة القانون المشهورة بانها ام العد والفرز. وعلماء التاريخ متفقون ومجمعون وموحدون على ان هذا البلد خلافي في كل شيء الا في كونه المخترع الاول لاشياء كثيرة بينها القانون والعد والفرز. واذا عجزت المفوضية و»المتحدة» عن التوصل الى اكتشاف مثل هذه الالية الواضحة الدقيقة فان سلالة حمورابي الحارسة لمعبد القضاء ستتدخل، او تستدخل، وتكون كلمتها الطولى.
وان اختراع آلية فرز تعمل مثل الساعة السويسرية، ليس كثيرا على بلد اخترع العجلة، فكانت ام كل وسائل النقل، كما انه ليس كثيرا على بلد اكتشف الخمرة فكان اول من دوخ العالم بها الى الأبد. ومن الحق ان بعض السياسات المعمول بها في العراق كأنها مصنوعة من بطن الخمرة. فلم تفهم البتة. وذكرت بعض التقارير ان جماعة عاقلة من العراقيين في المغترب فكرت يوما في ارسال وفد منها الى صدام لتلقي عليه سؤالا واحدا، فاذا عرفت منه الجواب وفهمته، وضعت نفسها في خدمته. وكان السؤال الذي من المفترض ان تطرحه هو: ماذا تريد؟ وبعد الكثير من الجهود السرية عرفوا طريقهم الى سفير فقال لهم: ما يبتغي جل ان يسمى! ونصح الموفد بان ينسى انه زاره وان لا يعيد الزيارة.
ونتيجة لهذا الغموض جاءت هيئة الامم المتحدة عام 1991 بجيوش جرارة الى العراق. وبدلا من ان تحل اللغز اصابت البلد بشلل دماغي. كان لغزا قبل تلك المجزرة فما الذي صاره بعدها؟حيرة!