محمد عبد الجبار الشبوط
دأب المجتمع العراقي منذ عام ١٩٥٨ على النظر الى رئيس الجمهورية او رئيس الوزراء باعتباره "الزعيم" او "القائد". وقد اعطى الاعلامُ الفريق عبد الكريم قاسم أول رئيس حكومة في النظام الجمهوري لقب "الزعيم الاوحد"، علما ان كلمة "الزعيم" هي اسم الرتبة العسكرية التي كان يحملها عبد الكريم قاسم صبيحة ١٤ تموز من عام ١٩٥٨ قبل تغيير عناوين الرتب العسكرية حيث استبدلت كلمة الزعيم بكلمة العميد التي يحمل بموجبها الضابط على كتفه تاجا وثلاثة نجوم. وفي العهد العارفي كان الاعلام يصف رئيس الجمهورية بلقب "الرئيس القائد"، وحين استولى صدام حسين على كل المناصب القيادية في الدولة اصبح لقبه "القائد الضرورة". وكل هذه الالقاب موروثة في اللاشعور الشعبي من عهود السلطنة السابقة التقليدية.
في النظام الديمقراطي الحديث، يُعتبر رئيس الوزراء أو رئيس الجمهورية جزءًا من جهاز الدولة، الذي يُفترض أن يعمل على خدمة المجتمع وتلبية احتياجات الشعب. هذه الفكرة تعكس فهماً جديداً لدور المؤسسات السياسية في الحياة العامة، حيث لا يَعتبر الفرد السياسي "الزعيم الأوحد" أو "القائد الملهم" الذي ينفرد بالقرارات ويمثل مهابة السلطة.
بدلًا من ذلك، يُنظر إلى رئيس الوزراء أو الرئيس على أنهم "كبار موظفي الدولة". وهذه النظرة تعني أنهم موظفون مسؤولون عن تنفيذ السياسات وتحقيق النتائج التي تعزز رفاهية المواطنين. ومن هذا المنطلق، يُفترض أن تركز الحكومة جهودها على تحسين نوعية الحياة وتوفير الخدمات الأساسية مثل التعليم والرعاية الصحية والبنية التحتية.
تُعد هذه الفكرة جزءًا من اتجاه أوسع نحو تعزيز المساءلة والشفافية في الحياة السياسية. فبدلاً من تمجيد الأشخاص والقيادات، يُحث المواطنون على تقييم السياسات والنتائج. ويتعين على هؤلاء "الموظفين الكبار" أن يكونوا أكثر استجابة لاحتياجات الجمهور وأكثر انخراطًا في عملية صنع القرار التي تشمل الأطراف المعنية.
يحمل هذا التصور فوائد عديدة. أولاً، يُعزز الثقة بين الحكومة والمواطنين من خلال تبني سياسات فعّالة تُحاكي احتياجات الشعب. ثانيًا، يقلل من مخاطر الاستبداد أو الحكم الفردي الذي قد ينشأ من تمركز السلطة في يد شخص واحد. ثالثًا، يتيح للمجتمع فرصة للمشاركة في النقاش العام وصنع القرار، ما يساهم في تحقيق ديمقراطية أكثر تشاركية وعدالة.
التحديات في اتباع هذا النموذج ليست قليلة. قد يُواجه القادة مقاومة من أولئك الذين يرون في السلطة منصبًا للنفوذ وليس للمسؤولية. ومع ذلك، يُعتقد أن تحويل التركيز من الأفراد إلى المؤسسات والسياسات يمكن أن يُحدث فرقًا إيجابيًا كبيرًا في تحسين جودة الحياة للمواطنين.
يُشجع هذا النهج على رؤية قادة الدولة كجزء من النسيج الوطني، الذي يُركز جهوده على تحقيق تطلعات الشعب وتوفير حياة أفضل. إنهم ليسوا فوق القانون والمحاسبة، بل هم في خدمة الشعب.
لم يعد من الممكن بعد سقوط النظام الدكتاتوري البعثي في عام ٢٠٠٣ تألية المسؤول او النظر اليه كقائد ملهم. لكن الملاحظ ان اغلب رؤساء الوزارات الذين تولوا الحكم بعد عام ٢٠٠٣ (ومثلهم رؤساء الاحزاب السياسية) عبروا عن رغبة جامحة في البقاء في المسرح السياسي وتشكيل احزاب خاصة بهم بعد خروجهم من المنصب . ويساعدهم في ذلك القدرة على الاحتفاظ بالامتيازات التي كانت لهم اثناء وجودهم في المنصب فيما يتعلق بالمكتب او الحمايات او سيارات الدفع الرباعي وغيرها على عكس ما نجده مثلا في بريطانيا حيث يتوارى رئيس الوزراء السابق عن الانظار ويذهب الى بيته وعائلته ويعود مواطنا عاديا لا يداعبه حلم الزعامة مدى الحياة حاله حال اي موظف صغير احيل على التقاعد.