الكهرباءان الوطني والخصوصي مقطوعتان. الواحدة ليلا بتوقيت بغداد. مللت من جلسة الحديقة. الهواء طيب نسبيا. مازال ليل تموز يحتمل نسمات عليلة. الموبايل طرد شيئا من الوحشة. بعد ساعة من الرضا عن جو محتمل في الحديقة عدت الى المنزل حيث الجو حمام. مولدة كهرباء الحي عاطلة على ما يبدو. فمنذ ساعتين انقطعت. وحين حاولت الاتصال بأصحابها كانوا قد اغلقوا موبايلاتهم. هكذا يفعلون حين تعطل المولدات ولا يكون الأمل باصلاحها قريبا. يتخلصون بهذه الطريقة من الاحراج. هل بقي الشعور بالحرج عن تقصير في الواجب موجودا في البلد؟
هذه هي المولدة الثانية التي اشترك بها. صاحب الأولى قشمرني ونهبني. النشامى فزعوا لي بواحد جديد. الشهر الماضي سلكت الامور معه. قبل ليلة، الخميس، أخذت المولدة ترمش. مرة وأخرى ثم انطفأت. في الثانية ليلا اتصلت فأجاب وأعاد الضوء. لم أفهم السبب.
لقد وعد بشراء مولدة ثانية منذ بداية تموز حتى يناوب بينهما ولا يكون هناك انقطاع منذ الواحدة ظهرا الى السادسة من صباح اليوم التالي. بناء على هذا الوعد ارتفع أجر الاشتراك الشهري . جاءت المولدة الثانية ورآها الشهود بأم العين. لكنها بقيت ممطولة بانتظار النصب. النصب بالمعنيين إذا شئتم. ان الاحتياط المنزلي محرج: لدي مولدة خاصة صينية وقودها الكاز. المشكلة انها اذا اشتغلت يسمع صوتها في صحراء نيفادا. وجارتي آدمية تفضل الجحيم على هذه الصينية الصاخبة. ما شكت الي منها ولكن السالفة واضحة فأنا نفسي يطير قبغ راسي من صوتها. ولذلك لا استطيع تشغيلها والجارة نائمة الآن. شكرا للداهية الذي ورطني بها. ان كل المولدات المنزلية الصغيرة عالية الصوت، لكن أصوات المولدات العاملة بالكاز اقمش من نظيراتها العاملة بالبنزين.
أعزي نفسي بالسعادة من هذه الخبرة. طوال حياتي أجهل الآلات والأدوات. ذات يوم دخلت الى محل يعرض آلاف الأنواع من ادوات العمل المنزلية. كانت مرصوفة بشكل جميل تبدو معه كالزهور. تبسمت بسخرية مريرة من حالي. وفي المحل ذاته مارست النقد الذاتي الشديد على نفسي أمام مرآة. حين أشغل المولدة، عندما تغيب الجارة، أشعر بالرضا. بفضلها أصبحت رجل يد. طوبى للأيدي الصديقة للآلات.. أراها ساحرة على الدوام.
اللهم صل على محمد وآل محمد! جاءت الكهرباء الوطنية في هذه اللحظة. الثانية والربع ليلاً. الصلاة على النبي هذه التي عبرت عنها ابتهاجا بالكهرباء الوطنية، ذكرتني بهادي مليوصة الله يرحمه، صاحب محل في المحمودية. أحد أيام مطلع السبعينيات كان يتحدث معي وفجأة صرخ بوجهي « اجا التايد»! التفت ورائي واذا بشاحنة معبأة بأنواع من غسيل الملابس المعروف بالتايد. كانت أسواق البلاد تفقد بين أسبوع وآخر احدى المواد: الزيت، الطحين، الحليب وما اشبه. اليوم الحمد لله وفرة في كل شيء بما في ذلك الآلات المنتجة للكهرباء. وفرة مليوصة!
في الرابعة انقطعت الوطني. الخامسة والثلث جاءت المولدة 10 دقائق وراحت. ويصادف ان هذا اليوم ايضا 10 لكن من تموز وليس من دقائق. لم أنم. الأنباء الجوية تقول إن موجة حر ستهجم اليوم. شمس الصباح ساطعة والهواء منعش. لكن يدي على قلبي خوفا من ظهيرة آتية لا ريب فيها. من راقب الحر مات هما.