وليد غالب
في كتاب تاريخ الطب في العراق، يذكر الدكتور هاشم الوتري أن أوّل مستشفى بُني في العراق في زمن الاحتلال العثماني، سُمّي بمشفى الغرباء في العام 1872. يضيف الوتري "كانت هذه المؤسسة تُدار من قبل أطباء البلدية وبعض مأموريها حتى العام 1887، وكان معظم اللاجئين إليه من المعوزين والمتسولين والعجزة الذين يجدونه أفضل مكان يودعون به. وكان قد خصص فيه جناح خاص للمساجين والمعتوهين والعواهر".
لنتوقف قليلًا عند اسم المشفى "الغرباء" فخلال أربعة قرون من الاحتلال العثماني للعراق، لم يكن هناك أي مشفى في بلدنا، وكان الناس يعانون من شتى أنواع الأوبئة من دون أي فرصة للنجاة بالطب.
في المقابل كان في الشام ومصر واسطنبول مستشفيات كثيرة ومدارس للطب مهمة، ففي الشام بقي "البيمارستان النوري" شغالاً حتى عام 1899 أي عام بناء المستشفى "الحميدي" بديلاً عنه في عهد "حسين ناظم باشا"، وقد عُرف في أول عهده باسم المستشفى "السلطاني".
هل تلاحظون الفرق بين تصرف الدولة العثمانية في العراق والشام!
لأوضّح ذلك، في العراق سُمي المستشفى بـ "الغرباء" بينما في الشام تم تسميه بـ "السلطاني". والفرق بين "الغريب" و"السلطان" شاسع جدًا، يتوضح هذا الفرق من نص لهاشم الوتري عن مستشفى الغرباء العراقي "لبث المستشفى على ذلك بضع سنوات، ثم أُهمل لعدم وجود الأطباء، ثم حوّل إلى مدرسة ثانوية" بينما نجد المستشفى السلطاني في الشام قد تحول إلى مدرسة من أهم مدارس تعليم الطب في الوطن العربي، حيث عهد السطان عبد الحميد الثاني إلى الطبيب "فيضي باشا" بتنظيمه، وتم تعيين أساتذة فيه من اسطنبول لتدريس الطب والصيدلة في المستشفى باللغة التركية.
لكن في العام 1900 قرر الوالي نامق باشا بناء مستشفى آخر في بغداد وهذه المرة تمت تسميته باسم مستشفى "الغرباء" أيضا! وجاء خبر المستشفى في صحيفة زوراء في العدد 1873 الموافق 22 ربيع الأول 1318 هجرية "فنسب انشاءها في الموقع اللطيف الكائن خارج باب الأعظمية محاددا للحديقة العائدة إلى دائرة البلدية الأولى". وللأمانة فقد كانت هناك محاولات جدّية لجعله مستشفى راقٍ، لكن ومع تغير الولاة تغير حال المستشفى، يقول الوتري "ولم يطل الحال بهذا المستشفى كثيرا حتى صار يتدهور شيئا فشيئا لخلوه من العناصر التي تكفل رقيّه وتقدمه".
وبرغم التطور النسبي الذي حصل في الطب العراقي زمن الملكية، إلا أن القارئ سيعرف من خلال الصحف القديمة أن الوضع الصحي في العراق كان سيئًا جدًا، فبحسب إعلان نُشر في صحيفة الشرق العدد 58 في العام 1920 كانت هناك حملة تلقيح عامّة بسبب انتشار الطاعون "لقد كثر عدد الاصابات بالطاعون ولذلك اتخذت الوسائل اللازمة لتطعيم أهالي بغداد في جانبي الكرخ والرصافة". ولم يكن الطاعون فقط هو المنتشر في العراق، فالكوليرا والجدري والحصبة والسل وأمراض العيون كانت منتشرة بشكل لا مثيل له. وتذكر المجلة الطبية البغدادية - صدرت لأول مرة في العام 1925 – في عددها الثاني من خلال تقرير شهري لإدارة صحة بغداد لشهر مايس 1925، أن عدد الولادات هو 403 بينما كان عدد الوفيات 556، وفي شهر حزيران للعام نفسه كان عدد الولادات 379 والوفيات 564 وفاة. ولا يختلف الحال في بقية الشهور ولسنوات. فالملاحظ هو أن معدل الوفيات أكبر من معدل الولادات. وفي عددها الأول لعام 1927 كتبت المجلة الطبية البغدادية: "على إثر حدوث اصابات بالكوليرا في البصرة رأينا من الواجب أن نذكر قراء المجلة من الزملاء وغيرهم ببعض النقاط العلمية التي يجب العلم بها لمرض هو من أفتك الأمراض التي تحمل على سكان العراق منذ زمن بعيد فتحصد النفوس حصدًا لا مثيل له نظرًا لجهل الناس بطرق الوقائة منه". من خلال الصحف القديمة، من الممكن فهم لماذا كان الواقع الطبي العراقي سيئًا منذ ذاك الوقت، وربما للآن، وبرأيي أن السبب لا يتعلق بتوفر المستشفيات فقط، بل يتعلق بصورة رئيسة بوجود منظومة طبيّة تمتلك خطة تسير عليها الدولة. هل كنا نمتلك خطة طبيّة لتطوير الواقع الصحي العراقي؟!
هل نمتلك خطة الآن؟