إنَّ أخطر ما يواجه المجتمعات الخارجة من أزمنة الاستبداد والتخلّف هو إعادة إنتاج التخلف بلباسٍ جديد. فحين تسقط الأيديولوجيات الشمولية أو الأنظمة المستبدّة، لا يكون الخطر الأكبر في بقاياها المؤسسية، بل في استمرار ذهنيتها داخل الوعي العام والنخب السياسية. وذهنية المكونات واحدة من أبرز تمظهرات هذا الخلل في العالم العربي، والعراق خصوصًا، بعد عام 2003.
1. ذهنية المكونات: منطق ما قبل الدولة
ذهنية المكونات ليست مجرد آلية لتوزيع المناصب أو إدارة التنوع، بل هي منظومة تفكير ما قبل حضارية، تُحيل الوجود السياسي إلى انتماءات جزئية: طائفة، قومية، مذهب، عشيرة، منطقة. وهي بذلك تُحوّل “الآخر المواطن” إلى “خصم وجودي”، وتختزل العدالة في حصص طائفية لا في حقوق إنسانية.
في هذه الذهنية، لا يعود الإنسان مواطنًا متساويًا أمام القانون، بل ممثلًا لمكوّنه، حاملًا بطاقة هويته الفرعية في وجه الدولة. إنها عقلية لا تؤمن بـ”العقد الاجتماعي”، بل بـ”العقد الغنائمي” الذي يقسّم السلطة كغنيمة بين جماعات مغلقة.
2. غياب الفكرة الحضارية
الدولة العادلة والعصرية لا تُبنى على توازن القوى بين المكونات، بل على توازن القيم بين الحرية والعدالة والمساواة والمسؤولية والإتقان وسائر القيم العليا التي تشكّل جوهر الدولة الحضارية الحديثة.
فالمجتمع الذي يفتقد الفكرة الحضارية الجامعة سيظل أسيرًا لثنائيات ضيقة: السنة والشيعة، العرب والكرد، الشمال والجنوب… إلخ. وكلما اشتدّت الصراعات على الهويات الجزئية، تراجعت الهوية الحضارية الوطنية التي تمثل الإطار الجامع للمواطنة والكرامة والحرية.
3. العدالة لا تُجزّأ
العدالة الحقيقية لا تُقسم إلى حصص، ولا يمكن أن تكون طائفية أو مناطقية أو عرقية. فالعدالة في جوهرها قيمة كونية لا تتحقق إلا في ظل مؤسسات مستقلة وقانون واحد يسري على الجميع. أما حين تُدار الدولة بمنطق المكونات، فإن العدالة تتحوّل إلى توازن مصالح لا إلى تجسيد للحق. وهكذا تُختزل الدولة إلى “مائدة اقتسام” لا إلى “نظام قيم”.
4. نحو ذهنية حضارية
إنّ الخروج من ذهنية المكونات لا يتم بقرارات فوقية، بل بتحوّل عميق في الوعي الجمعي:
• من الانتماء العصبوي إلى الانتماء القيمي،
• من الولاء للمكوّن إلى الولاء للمواطنة،
• من الخوف من الآخر إلى الثقة بالتنوع كقوة،
• ومن المحاصصة إلى الإتقان والتكافؤ في الكفاءة.
هذا التحوّل هو جوهر الفلسفة الحضارية الحديثة التي تسعى لبناء دولة الإنسان، لا دولة الجماعات.
فحين تتغلب الفكرة الحضارية على ذهنية المكونات، تتحرر السياسة من الغرائز، ويتحوّل المجتمع من ساحة تناحر إلى فضاء إبداع وتكامل.