عزام صالح
المشهد الأول: قاعة المحكمة
(قاعة محكمة حديثة، يجلس القضاة على منصة مرتفعة، وفي الأسفل يجلس المدعي العام ومحامي الدفاع. في القفص يقف أبو الطيب المتنبي بملابسه من العصر العباسي. الحضور يشمل مؤرخين، أدباء، وشخصيات تاريخية كشهود.)
القاضي: فلنبدأ محاكمة اليوم، حيث يمثل أمامنا أبو الطيب المتنبي، الشاعر الذي ملأ الدنيا وشغل الناس، بتهم متعددة، منها التملق للحكام، الغرور والتعالي، تأجيج الفتن بكلماته، الإلحاد، والتقصير في علاقاته العائلية مع زوجته وابنه محسد.
المدعي العام: سيادة القاضي، نقف اليوم لمحاكمة رجل ادّعى النبوة في شبابه، وتباهى بنفسه حد الغرور، فلم يسلم منه صديق ولا عدو. في قصائده مدح الملوك ثم هجاهم، وأشعل الفتن بكلماته، واتُّهم بميله نحو الفكر الإلحادي في بعض أبياته، كما أهمل زوجته وابنه محسد في رحلاته وسعيه وراء المجد.
محامي الدفاع: سيدي القاضي، إنما نحاكم أعظم شاعر في تاريخ العرب، رجلًا عانى من ظلم الزمن ومن تقلبات السلاطين، لكنه لم يكن سوى ابن عصره، وهل يُلام الشاعر إن كان صادقًا في كبريائه؟ أما الإلحاد، فشعره مليء بالإيمان، وأما أسرته، فقد كانت ضحية ظروفه القاسية.
القاضي: فلنستمع للشهود.
--
المشهد الثاني: شهادة سيف الدولة الحمداني
(يظهر سيف الدولة الحمداني، يجلس على منصة الشهود.)
المدعي العام: أيها الأمير، هل يمكن أن تخبر المحكمة كيف كان المتنبي في بلاطك؟
سيف الدولة: كان شاعرًا عظيمًا، رفع من قدري ومدحني بما لم يُسمع مثله، لكنه كان مغرورًا، حتى تطاول في مجلسي، فطردته.
محامي الدفاع: ألم يكن مدحه لك صادقًا؟ ألم يكن هو لسان دولتك القوية؟
سيف الدولة: بلى، لكنه لم يرضَ إلا أن يكون مساويًا للأمراء.
---
المشهد الثالث: شهادة كافور الإخشيدي
(يدخل كافور الإخشيدي، يجلس على منصة الشهود.)
المدعي العام: كافور، لقد مدحك المتنبي، ثم هجوك بشدة، لماذا؟
كافور: ظن أنه سيحكم مصر بمواهبه، وعندما خاب أمله، أطلق هجاءً كالسهام.
محامي الدفاع: ألم يكن هجاؤه نتيجة خيبة أمله وظلمك له؟
كافور: ربما، لكنه كان يعلم أنني لم أعده بشيء، ومع ذلك أراد أن ينتقم بشعره.
---
المشهد الرابع: شهادة ابن محسد
(يدخل محسد، ابن المتنبي، ويجلس على منصة الشهود.)
المدعي العام: محسد، كيف كانت علاقتك بوالدك؟
محسد: كان رجلًا مشغولًا بطموحه، بالكاد رأيته في طفولتي، وكان شعره أهم من أسرته.
محامي الدفاع: ألم يكن يغدق عليك حبًا وعلمًا حتى في غيابه؟
محسد: ربما، لكن أين كان عندما كنا بحاجة إليه؟
---
المشهد الخامس: دفاع المتنبي
(المتنبي يقف ليدافع عن نفسه.)
المتنبي: أيها القاضي، أيها الحضور، ما أنتم إلا شهود على عظمة شعري، حتى حين تهاجمونني، تستشهدون بكلماتي. غروري؟ إنه فخر بالذات، وهل تريدون من شاعر يملأ الأرض صدى أن يصمت؟ هجائي؟ كان ردًا على خيانة. أما أنني فتنت الناس بكلماتي، فذلك لأنني أكتب ما يحرك النفوس. وأما الإلحاد، فأنا قلت: "إذا غامرتَ في شرفٍ مرُومِ فلا تقنعْ بما دونَ النّجومِ"، أليس في ذلك دعوة للسمو؟ وأما أهلي، فقد كانوا في قلبي وإن كنت بعيدًا عنهم.
القاضي: سنأخذ بعين الاعتبار كل ما قُدم، وسنصدر الحكم قريبًا.
(تُرفع الجلسة.)