الدول مثل العوائل. الأسرة الطيبة يتوارث ابناؤها تقاليد الاحترام والحب والثقة جيلا بعد آخر. وهي تقاليد ثمينة لها عوائد نفيسة في التعليم والأخلاق والرزق والاستقرار والمجتمع. انها صورة نجاح ومصدر اشعاع. ان لديها ما تخسره من سمعة ومن مستوى معيشي مقبول، فيصبح الحفاظ على مكتسباتها عملا اشبه بالعادة. ان للنجاح آلية تعمل من أجل المزيد من النجاح.
الأبناء ينشؤون على الشعور بقيمة انفسهم، وبأهمية صلاتهم مع بعضهم البعض، كما يقيمون علاقاتهم مع المجتمع بشيء من التوازن، الآخر عندهم صديق او زميل او جار او معرفة، وفي كل هذه الاحوال هو مصلحة قائمة احيانا على العاطفة، واحيانا اخرى على الفائدة. العداوة مستبعدة من منهجهم في الحياة. يتصرفون مع رغباتهم بشيء من الاعتدال يحفظهم من الجموح ومن الجنوح. ان المخ شغال والعاطفة هادئة هدوء الرضا عن النفس.
اي نعم تعتريهم مشاعر القلق والحزن، ويتعرضون لاختلالات، ويدخلون في الوان من الصراع مع انفسهم ومع الآخرين. ولكن فقط لأن هذه الأمور من طبيعة دار الشقاء. ثم انه قلق نبيل، وحزن ليس ثقيلا كالرصاص، واختلال بمقدار، وصراع أنيس غير متوحش.
وكل ذلك يعتمد على أب. اذا قامت اخلاقه على ادراك قيمة الحياة البشرية، وعمل على اساس من انه خالق مسؤول فانه سيمنح العالم مخلوقات جميلة ومفيدة. وهو بذلك يستثمر في مستقبل الدنيا، من خلال ذريته، كما من خلال سلوكه. فبما ان مثل هذا الأب سيكون موجودا في زقاق، وفي محلة وبلدة وعمل مع آخرين، فانه سيكون مصدر اشعاع وتنوير في هذا المحيط.
ولكن مثل هذا الأب لا يوجد عادة بقرار فردي من صنعه. انه صناعة اجتماعية. هناك مجتمع يسمح بانتاج هذا النوع من الآباء وهناك مجتمع آخر ينتج انواعا اسوأ مما كان عليه أصل الأنواع. فالانسان لا يكون ابا على كيفه، وانما تصنعه ثقافة اجتماعية وسلطات اجتماعية وسياسية. ولعل للأخيرة دورا حاسما، حتى ليمكن القول ان الأب في حالة المجتمع هو السلطة. قل لي ما هي سلطتك اقول لك اي نوع من الأب أو الابن انت.
ان السلطة هي اخلاق مطبقة على المجتمع. وتتعين هذه الأخلاق في برنامج شامل لمختلف نواحي الحياة: الادارة والأمن والقضاء والرقابة والزراعة والصناعة والتجارة والتربية والتعليم والثقافة. انها ابوة مكبرة من العائلة الى المجتمع. الخير في الاولى يتعين بالعطاء الذاتي الى حد التضحية. أما خير الثانية فيتعين، الى جانب العطاء الذاتي المطلوب، بقيود موضوعية تتمثل بمؤسسات الرقابة.
وكل ابوة دون قيود المراقبة والمحاسبة والنقد مهددة بالفساد. وفساد الأبوة درجات. اعلاها هو ذلك المؤدي الى انتاج ذرية او مواطنين عديمي القيمة والشأن. ويمكن ضرب امثلة صارخة على مثل هذا الانتاج بأفراد مجتمعات تحكم او تسود فيها أفكار الستالينية او النازية أو البعث في صورته الصدامية و» القاعدة» والقوى الطائفية التي تستمد وجودها من الجهل والخرافة. فلا قيمة للحياة اصلا في مجتمع تسوده مثل هذه الانواع من الأفكار. وبغياب قيمة الحياة تنعدم كل قيمة ويعم الفراغ الأخلاقي. ومنه مشتقات الفراغ الأمني والحكومي والنيابي..وغيره. الله المعين!