بغداد – العالم
تواجه حركة الاستيراد في العراق اختباراً جديداً مع دخول إجراءات أكثر تشدداً لتنظيم التجارة الخارجية وربط عمليات التحويل المصرفي بالبيانات الكمركية والضريبية ومصادر الأموال، في وقت تتزايد فيه المخاوف من أن تؤدي كثرة المتطلبات وطول الإجراءات إلى نتائج عكسية، خصوصاً لدى صغار التجار الذين لا يمتلكون الإمكانات المالية والإدارية نفسها التي تتوفر لدى الشركات الكبيرة.
وتابعت «العالم» تداعيات الإجراءات الجديدة، التي تستهدف إدخال النشاط التجاري بصورة أكبر إلى المنظومة المصرفية الرسمية وتعزيز الرقابة على حركة الأموال والدولار، إلا أن نجاح هذا المسار لا يرتبط فقط بفرض القيود، وإنما بقدرة المؤسسات المالية والحكومية على توفير طريق رسمي واضح وسريع يستطيع التاجر من خلاله تمويل استيراده من دون أن تتحول إجراءات الامتثال إلى عبء إضافي يرفع كلفة البضاعة ويؤثر في حركة السوق.
وتتضمن الآليات الجديدة ربط التحويلات الخارجية بالبيان الكمركي المسبق، واستيفاء الرسوم الكمركية والأمانات الضريبية قبل تنفيذ التحويل، فضلاً عن متطلبات تتعلق بالإفصاح عن مصدر الأموال في بعض عمليات الاستيراد التي لا تتم من خلال التحويل المصرفي الخارجي. وتأتي هذه الإجراءات ضمن مسار أوسع لإعادة تنظيم تمويل التجارة الخارجية والانتقال من الأساليب التقليدية في الحصول على العملة الأجنبية إلى نظام يعتمد بصورة أكبر على المصارف والحسابات المصرفية والمراسلة والامتثال المالي.
ومن الناحية الرسمية، تستند هذه الإجراءات إلى هدف واضح يتمثل في تعزيز الشفافية ومعرفة مصدر الأموال والمستفيد النهائي من التحويلات، والحد من عمليات غسل الأموال ومنع وصول الدولار إلى جهات محظورة أو خاضعة للعقوبات. كما ترتبط بإجراءات دولية تتعلق بالامتثال المالي ومراقبة حركة الأموال، وهو ما يجعل العراق أمام حاجة حقيقية إلى تطوير نظامه المصرفي والتجاري بما ينسجم مع المعايير المالية العالمية.
لكن المشكلة تبدأ عندما يتحول الامتثال من وسيلة لتنظيم التجارة إلى سلسلة طويلة من الخطوات التي تتطلب وقتاً وسيولة ووثائق متعددة. فالتاجر لا يتعامل مع إجراء واحد، وإنما مع منظومة تبدأ من المصرف وتمتد إلى الكمرك والضرائب والبيانات التجارية وإثبات مصدر الأموال، ثم تنتقل إلى إجراءات إدخال البضاعة وتسوية المعاملات.
ويقول اقتصاديون إن التاجر الصغير هو الأكثر تعرضاً لهذه الضغوط، لأن قيمة الحوالة الصغيرة قد لا تتحمل الكلفة الثابتة نفسها التي تتحملها الشركات الكبرى. فالشركة الكبيرة تستطيع تخصيص موظفين للمحاسبة والامتثال والاستشارات القانونية، بينما قد يعتمد المستورد الصغير على إمكاناته الشخصية، ما يجعل كل تأخير أو رسم إضافي مؤثراً بصورة مباشرة في هامش ربحه.
ورصدت «العالم» أن جوهر المشكلة لا يتعلق بسعر الدولار وحده، بل بالمقارنة التي يجريها التاجر بين كلفة المسار الرسمي وكلفة المسار الموازي. فإذا كان الحصول على الدولار عبر النظام الرسمي يتطلب وقتاً طويلاً ورسومًا واستيفاءات مسبقة وإجراءات متعددة، بينما يوفر السوق الموازي سرعة أكبر، فإن بعض التجار قد يرون في الخيار غير الرسمي وسيلة لتقليل كلفة الوقت، رغم المخاطر القانونية والمالية التي ترافقه.
ويرى خبراء أن اتساع الفجوة بين السعرين الرسمي والموازي يمكن أن يزيد من جاذبية السوق غير الرسمي، خصوصاً إذا ترافق مع ارتفاع كلفة الامتثال وتأخر إنجاز المعاملات. ولذلك فإن محاربة السوق الموازي لا تتحقق فقط عبر تضييق قنواته، وإنما أيضاً بجعل القناة الرسمية أكثر قدرة على المنافسة من حيث السرعة والكلفة والوضوح.
وتبرز في هذا السياق مشكلة أخرى تتعلق بإثبات مصدر الأموال، ولا سيما لدى التجار الذين راكموا رؤوس أموالهم خلال سنوات طويلة في بيئة تجارية اعتمدت بدرجة كبيرة على النقد. فقد يمتلك التاجر نشاطاً قائماً وأموالاً متأتية من تجارة فعلية، لكنه قد لا يمتلك سجلاً مصرفياً متكاملاً يوثق تاريخ تكوين رأس المال، الأمر الذي قد يضعه أمام متطلبات يصعب استكمالها بسرعة.
كما يمثل الاستيفاء المسبق للرسوم والأمانات الضريبية تحدياً إضافياً، لأنه يعني إخراج جزء من السيولة من دورة رأس المال قبل اكتمال عملية الاستيراد وبيع البضاعة. وكلما كان رأس مال المستورد أصغر، ارتفع أثر هذه الخطوة على قدرته على تدوير أمواله وتمويل شحنات جديدة.
ولا يعني ذلك أن الرقابة على حركة الأموال أو مكافحة غسل الأموال ينبغي أن تتراجع، بل إن التحدي يكمن في بناء نظام رقابي ذكي يميز بين مستويات المخاطر. فالحوالات الصغيرة ذات النشاط التجاري المعروف يمكن أن تخضع لإجراءات مبسطة، في حين تحتاج العمليات الكبيرة أو غير المعتادة إلى تدقيق أوسع.
وتحتاج المرحلة المقبلة، وفق هذه الرؤية، إلى توحيد الرسوم والإجراءات، وتقليل حلقات المراجعة، وتسريع التحويلات، وإيجاد آليات عملية لإثبات مصدر الأموال، مع منح التجار فترة انتقالية للتكيف مع النظام الجديد.
وفي النهاية، فإن نجاح الإصلاح المالي لا يقاس بعدد القيود التي توضع أمام السوق، بل بقدرة النظام الرسمي على جذب النشاط التجاري إليه. فكلما أصبح الدولار الرسمي متاحاً ضمن إجراءات واضحة وسريعة وكلفة معقولة، تراجعت الحوافز التي تدفع التاجر إلى السوق الموازي، وأصبح تنظيم التجارة هدفاً قابلاً للتحقق من دون تحميل المستهلك في النهاية كلفة التعقيد الإداري.





