العالم – بغداد
دخل سعر صرف الدينار العراقي أمام الدولار الأمريكي مرحلة جديدة، بعد إعلان البنك المركزي العراقي تعديل السعر الرسمي للعملة اعتباراً من الأربعاء، ليصبح سعر بيع الدولار النقدي للجمهور 1520 ديناراً، مقابل 1300 دينار سابقاً عند شراء الدولار من وزارة المالية، فيما حُدد سعر بيعه للمصارف عند 1510 دنانير للدولار. ووصف البنك المركزي الخطوة بأنها تأتي في إطار إصلاحات تستهدف تعزيز الاستقرار المالي ودعم الإنتاج المحلي والاقتصاد الوطني.
وبعيداً عن لغة البيانات الرسمية، يبقى السؤال الأكثر حضوراً لدى المواطن العراقي: ماذا يعني هذا القرار لراتبه، ولسلة مشترياته، ولأسعار المواد التي يحتاجها يومياً؟
عملياً، يعني انخفاض قيمة الدينار أن السلع والخدمات التي تعتمد بصورة مباشرة أو غير مباشرة على الدولار قد تواجه ضغوطاً سعرية صعودية. فالعراق يعتمد بدرجة كبيرة على الاستيراد لتلبية احتياجات السوق، ولذلك فإن ارتفاع كلفة الحصول على الدولار يمكن أن ينعكس على المستوردين، ومن ثم على أسعار المواد الغذائية والأجهزة الكهربائية وقطع الغيار والملابس والسلع الاستهلاكية وغيرها.
ولا يعني ذلك بالضرورة أن جميع الأسعار سترتفع بنفس النسبة أو فوراً؛ فحجم التأثير سيعتمد على طبيعة السلعة، ونسبة المكوّن المستورد فيها، وهوامش الربح، ومدى استجابة التجار والمستوردين للسعر الرسمي الجديد، فضلاً عن حركة الدولار في السوق الموازية.
أما المواطن الذي يتقاضى راتبه بالدينار، فإن التحدي الأساسي يتمثل في القوة الشرائية. فإذا ارتفعت أسعار السلع والخدمات بوتيرة أسرع من نمو الدخول، فإن الراتب نفسه سيشتري كمية أقل من الاحتياجات. وهنا تتحول قضية سعر الصرف من ملف نقدي ومصرفي إلى مسألة تمس الحياة اليومية للأسرة العراقية، من فاتورة الغذاء إلى تكاليف النقل والتعليم والسلع المعمرة.
في المقابل، يرى البنك المركزي أن تعديل سعر الصرف يمكن أن يخدم الإنتاج المحلي من خلال تحسين القدرة التنافسية للسلع العراقية أمام المنتجات المستوردة، وتشجيع المصانع والشركات الوطنية على التوسع، إضافة إلى توفير فرص للمشاريع الصغيرة والمتوسطة. كما أكد أن احتياطياته الأجنبية كافية لتلبية الطلب المشروع على العملة الأجنبية وتمويل التجارة الخارجية.
لكن نجاح هذه الرؤية يبقى مرتبطاً بما سيحدث في السوق خلال المرحلة المقبلة. فإذا ترافق القرار مع دعم فعلي للإنتاج المحلي، وتشديد الرقابة على الأسواق، ومنع استغلال القرار لرفع الأسعار بصورة مبالغ فيها، فقد تكون آثاره أكثر قابلية للاحتواء. أما إذا انتقلت كلفة التغيير سريعاً إلى المستهلك، بينما بقي الإنتاج المحلي محدوداً، فقد يشعر المواطن بضغط أكبر على دخله.
وتبرز هنا أهمية السوق الموازية أيضاً إذ إن الفارق بين السعر الرسمي وحركة الدولار خارج القنوات الرسمية يمكن أن يؤثر في سلوك التجار وتوقعاتهم للأسعار. لذلك فإن استقرار السوق يتطلب ليس فقط توفير الدولار، وإنما الحفاظ على الثقة بالسياسة النقدية والحد من المضاربات والتقلبات.
وبالنسبة للعراقي البسيط، لن يُقاس نجاح القرار بالأرقام التي تعلنها المؤسسات المالية، بل بما يراه في السوق: سعر كيس الطحين، وكلفة الغذاء، وأسعار الدواء، وأجرة النقل، وسعر الأجهزة والملابس، وما يتبقى من الراتب في نهاية الشهر.
وبينما يطرح البنك المركزي تعديل سعر الصرف باعتباره جزءاً من حزمة إصلاحات اقتصادية، فإن الاختبار الحقيقي يبدأ من الأسواق؛ فاستقرار الدينار لا يكتمل بالقرار النقدي وحده، وإنما بقدرة الاقتصاد على حماية القوة الشرائية للمواطن، وزيادة الإنتاج، وتقليل الاعتماد على الاستيراد، وتحويل الإصلاح المالي من أرقام في البيانات إلى نتائج يشعر بها العراقي في حياته اليومية.





