مجاشع التميمي
ما يلفتني في هذه المرحلة ليس حجم التناقضات السياسية وحده، وإنما غياب التفكيك المنهجي لما يجري. نناقش النتائج، ونسمع الشتائم والاتهامات وتبادل المسؤوليات، لكننا نادرا ما نطرح الأسئلة التي تسبق ذلك: لماذا حدثت المشكلة؟ هل كانت مفاجئة أم نتيجة طبيعية لمسار طويل؟ ومن يتحمل مسؤولية القرارات التي أوصلتنا إليها؟
أنا ابن هذا النظام السياسي، ومن المدافعين عن فكرة الدولة ومؤسساتها، لكن الدفاع عن النظام لا يعني الدفاع عن كل ما فعلته القوى التي أدارته منذ 2003. بل إن الدفاع الحقيقي عنه يفرض علينا الصراحة في تشخيص أخطائه.
اليوم يمر النظام بظروف صعبة، في ظل أزمة مالية وضغوط على الإيرادات النفطية وارتفاع سعر الصرف وغلاء المعيشة. وقد كشفت أزمة إغلاق مضيق هرمز حجم هشاشة الاقتصاد العراقي أمام الصدمات الإقليمية، حتى بدا أن النظام اهتز في أول اختبار اقتصادي كبير.
وهنا يجب أن نعيد تعريف مفهوم السيادة.
السيادة لا تعني فقط وجود القوات الأجنبية أو خروجها، ولا تختزل في القواعد العسكرية والاتفاقيات الأمنية. السيادة تعني قبل ذلك: من يملك القرار؟ ومن يحدد أولويات الدولة؟ ومن يقرر في الحرب والسلم والأمن والعلاقات الخارجية؟
ومنذ جان بودان، أحد أبرز منظري السيادة في الفكر السياسي الحديث، ارتبط مفهوم السيادة بفكرة السلطة العليا والدائمة داخل الدولة واستقلالها عن السلطات الخارجية. وقد صاغ بودان هذا المفهوم بصورة منهجية في كتابه الكتب الستة عن الجمهورية عام 1576.
لذلك فإن اختزال السيادة في الوجود الأجنبي يختزل المشكلة نفسها. قد تغادر القوات الأجنبية، لكن ذلك لا يعني تلقائيا أن القرار أصبح سياديا إذا بقيت القرارات الكبرى خاضعة لتوازنات خارجية أو لضغوط قوى سياسية ومسلحة.
السيادة تبدأ من القرار، وملف السلاح خارج إطار الدولة ليس قضية أمنية فقط، بل قضية سيادة أيضا. فالدولة لا يمكن أن تكون قوية مع تعدد مراكز القوة التي تنازعها قرارها.
العراق لا يحتاج إلى روايات جديدة عن أزماته، ولا إلى مزيد من تبادل الاتهامات. يحتاج إلى تفكيك تجربته منذ 2003، ومراجعة قراراتها وتحالفاتها وأخطائها وتداخلاتها الإقليمية والدولية.
فالسيادة ليست شعارا يرفع عند مغادرة جندي أجنبي؛ السيادة أن تكون للدولة الكلمة الأخيرة في قرارها.



