رمزي ميركاني
في خطوة اقتصادية أثارت جدلاً واسعاً في الشارع العراقي والأسواق المحلية، قررت الحكومة العراقية تعديل سعر صرف الدينار مقابل الدولار، ليرتفع السعر الرسمي من نحو 1,320 ديناراً إلى 1,520 ديناراً للدولار الواحد بالنسبة للمستفيد النهائي، على أن تشتري وزارة المالية الدولار بسعر 1,500 دينار وتبيعه للمصارف بسعر 1,510 ديناراً. ودخل القرار حيز التنفيذ في 7 تشرين الأول/أكتوبر 2026. ويعني ذلك عملياً خفض قيمة الدينار بنحو 15% أمام الدولار.
لماذا اتخذت الحكومة هذا القرار؟
يرتبط القرار بصورة أساسية بالضغوط المالية التي تواجهها الدولة العراقية، ولا سيما اعتماد الموازنة بدرجة كبيرة على الإيرادات النفطية. فقد أدت اضطرابات صادرات النفط خلال العام الحالي إلى تراجع الإيرادات الدولارية، في وقت تحتاج فيه الحكومة إلى تمويل الرواتب والنفقات العامة والمشاريع والخدمات. كما تتوقع مسودة موازنة 2027 إنفاقاً يبلغ نحو 217 تريليون دينار، مع عجز يتجاوز 40 تريليون دينار.
ومن الناحية الحسابية، فإن الحكومة تحصل بعد القرار على عدد أكبر من الدنانير مقابل كل دولار من عائداتها النفطية. وهذا يوفر متنفساً للموازنة ويساعد الدولة على تمويل نفقاتها المحلية، خصوصاً في ظل انخفاض الإيرادات النفطية. ويرى البنك المركزي أن تعديل سعر الصرف يمكن أن يدعم أيضاً المنتج المحلي ويمنح السلع العراقية قدرة أكبر على منافسة المنتجات المستوردة.
التأثير على المواطن والأسعار
لكن الجانب الأكثر حساسية في القرار هو تأثيره المباشر على القدرة الشرائية للمواطن. فالعراق يعتمد بدرجة كبيرة على السلع المستوردة، ولذلك فإن ارتفاع سعر الدولار يعني أن المستورد يحتاج إلى كمية أكبر من الدنانير لشراء البضائع نفسها. وقد ينعكس ذلك على أسعار المواد الغذائية والملابس والأدوية والأجهزة والسيارات وقطع الغيار وغيرها.
فعلى سبيل المثال، إذا كان المستورد يحتاج سابقاً إلى 132 مليون دينار لشراء سلعة قيمتها 100 ألف دولار، فإنه يحتاج وفق السعر الجديد إلى نحو 152 مليون دينار. وإذا لم ينخفض سعر السلعة بالدولار، فإن جزءاً كبيراً من هذه الزيادة سينتقل في النهاية إلى المستهلك. وقد حذر البنك الدولي سابقاً من أن اعتماد العراق المرتفع على الواردات يجعل أسعار السلع، ولا سيما الغذاء والنقل، أكثر حساسية لتقلبات سعر الصرف.
تداعيات القرار على السوق
ظهرت التداعيات سريعاً في السوق الموازية، حيث تجاوز سعر الدولار في بعض الأسواق 170 ألف دينار لكل 100 دولار، بينما سجلت أسواق إقليم كردستان مستويات أعلى في بعض المناطق. وهذا الفارق بين السعر الرسمي والسوق الموازي يمثل تحدياً مهماً للحكومة، لأنه قد يشجع على المضاربة ويزيد حالة عدم اليقين لدى التجار والمستثمرين.
كما عبّر عدد من النواب والاتحادات الاقتصادية عن اعتراضهم، مطالبين بإعادة النظر في القرار بسبب انعكاساته على الأسعار والعقود الحكومية والقطاع الخاص.
بين معالجة العجز وزيادة الأعباء
في المحصلة، لا يمكن النظر إلى رفع سعر الدولار باعتباره قراراً إيجابياً أو سلبياً بصورة مطلقة. بالنسبة للحكومة والموازنة، يوفر القرار مزيداً من الدنانير مقابل الإيرادات النفطية الدولارية؛ أما بالنسبة للمواطن، فقد يؤدي إلى ارتفاع تكاليف المعيشة وتراجع القوة الشرائية إذا انتقلت الزيادة إلى الأسعار.
ويبقى نجاح القرار مرتبطاً بقدرة الحكومة على منع المضاربة، السيطرة على الأسعار، دعم الفئات محدودة الدخل، وزيادة الإنتاج المحلي وتقليل الاعتماد على الاستيراد. أما إذا اقتصر الأمر على معالجة العجز المالي من خلال سعر الصرف دون إصلاح جذري للإنفاق العام وتنويع مصادر الدخل، فقد تتحول كلفة القرار تدريجياً إلى عبء يتحمله المواطن والقطاع الخاص.
وبذلك، فإن التحدي الحقيقي أمام الحكومة العراقية ليس فقط تغيير سعر الصرف، وإنما إدارة تداعياته الاجتماعية والاقتصادية، وتحويل هذه الخطوة من إجراء مالي قصير الأجل إلى جزء من إصلاح اقتصادي أوسع يقلل اعتماد العراق على النفط والاستيراد ويعزز الإنتاج المحلي.




