بغداد – العالم
تتجه الحكومة العراقية إلى دراسة حزمة إجراءات واسعة لترشيد الإنفاق وضبط المالية العامة، في ظل ضغوط متزايدة على الموازنة الاتحادية، مع تصاعد الالتزامات التشغيلية وتراجع الإيرادات النفطية واضطراب حركة التصدير. وتشمل الإجراءات المقترحة دمج بعض الهيئات المستقلة، ومراجعة رواتب فئات معينة والمعاشات التقاعدية لبعض المسؤولين، وتشديد الرقابة على حركة الدولار، وتقليص أوجه الإنفاق الحكومي.
ورصدت «العالم» تحركات حكومية لإعادة ترتيب أولويات الإنفاق ضمن مشروع موازنة 2027، بالتزامن مع دراسة مقترحات تهدف إلى تخفيف الأعباء عن خزينة الدولة والحد من النفقات التي يمكن تأجيلها أو إعادة النظر فيها، في وقت تواجه فيه الحكومة معادلة مالية صعبة بين ارتفاع النفقات وتراجع الموارد.
وبحسب معلومات حكومية، فإن فريقاً كُلّف بدراسة الأزمة المالية ووضع حلول لمعالجتها، بالتنسيق مع اللجنة القانونية في مجلس النواب، قدم مجموعة من المقترحات التي تستهدف خفض الإنفاق غير الضروري، ومراجعة عدد من الملفات ذات الكلفة المالية المرتفعة.
وتشمل المقترحات دراسة واقع القطاع النفطي وآليات تصدير الخام، إلى جانب دمج بعض الهيئات المستقلة، وتشديد الرقابة على حركة الدولار، فضلاً عن مراجعة رواتب بعض الفئات والمعاشات التقاعدية المخصصة لعدد من المسؤولين.
وفي تصريحات تابعتها «العالم»، برز توجه حكومي لإدراج صيغة عامة ضمن مشروع موازنة 2027 تتيح تأجيل بعض الالتزامات والإجراءات ذات الأعباء المالية، بما يمنح الحكومة مساحة أوسع لإدارة الإنفاق وفق الإمكانات المتاحة، من دون الدخول في تفاصيل قد تفتح جبهات سياسية جديدة مع الجهات المشمولة بالإجراءات.
ويعكس هذا التوجه محاولة للبحث عن حلول للإنفاق قبل الوصول إلى خيارات أكثر صعوبة، خصوصاً أن المالية العامة تعتمد بدرجة كبيرة على الإيرادات النفطية، في وقت تشهد فيه الأسواق العالمية تقلبات يمكن أن تؤثر في قدرة الدولة على تمويل نفقاتها.
وتشير التقديرات الأولية إلى أن إجمالي نفقات موازنة 2027 قد يبلغ نحو 217 تريليون دينار، مع عجز يتجاوز 40 تريليون دينار، على أساس سعر افتراضي للنفط يبلغ نحو 58 دولاراً للبرميل.
وتبرز خطورة هذه الأرقام في اتساع النفقات التشغيلية، ولا سيما الرواتب والأجور والمعاشات ونفقات الحماية الاجتماعية، وهي التزامات يصعب تقليصها سريعاً من دون آثار اجتماعية وسياسية، الأمر الذي يدفع باتجاه البحث عن أبواب أخرى للخفض وإعادة الهيكلة.
وفي حال اعتماد الإجراءات المقترحة، فإن دمج بعض الهيئات الحكومية قد يمثل أحد مسارات تقليص الإنفاق الإداري، فيما يمكن أن تثير مراجعة رواتب بعض الفئات والمعاشات التقاعدية جدلاً سياسياً وقانونياً واسعاً، خصوصاً إذا مست امتيازات أو حقوقاً قائمة.
وتابعت «العالم» أن الحكومة تسعى، وفق الصيغة المقترحة، إلى منح نفسها مرونة أكبر في ترتيب أولويات الصرف خلال السنة المالية المقبلة، بحيث لا تتحول الالتزامات المالية إلى أعباء يصعب الوفاء بها في ظل محدودية الموارد.
ومع اقتراب إحالة مشروع الموازنة إلى مجلس النواب، ستواجه الحكومة اختباراً مزدوجاً: إقناع القوى السياسية بضرورة ضبط الإنفاق، وفي الوقت نفسه حماية الفئات الاجتماعية الأكثر تأثراً بأي إجراءات تقشفية.
وتبدو موازنة 2027، وفق هذه المعطيات، أمام مرحلة مختلفة عن الموازنات السابقة؛ فالمسألة لم تعد مرتبطة بحجم الإنفاق فقط، وإنما بقدرة الدولة على تحقيق توازن بين مواردها المتاحة والتزاماتها المتزايدة.
ويبقى السؤال الأبرز: هل تتحول إجراءات التقشف المقترحة إلى إصلاح مالي فعلي يعيد ترتيب أولويات الدولة، أم تبقى مجرد معالجات مؤقتة لأزمة تتكرر مع كل انخفاض في الإيرادات النفطية؟ فالقرار النهائي بشأن الموازنة سيحدد ليس حجم الإنفاق فحسب، بل قدرة العراق على حماية استقراره المالي خلال المرحلة المقبلة.





