غاز العراق بين الهدر والاستيراد.. مشاريع جديدة لتخفيف أعباء الكهرباء وتعزيز الاكتفاء الذاتي

هيئة التحريرمنذ 23 دقيقةآخر تحديث :
غاز العراق بين الهدر والاستيراد.. مشاريع جديدة لتخفيف أعباء الكهرباء وتعزيز الاكتفاء الذاتي

بغداد – العالم

يتجه العراق إلى تسريع استثمارات الغاز الطبيعي والمصاحب للنفط، في محاولة لتقليل الاعتماد على الواردات الخارجية وتأمين الوقود اللازم لمحطات الكهرباء، بعدما كشفت الاضطرابات الإقليمية عن هشاشة منظومة الإمدادات المحلية. وبينما تتواصل المشاريع بالتعاون مع شركات عالمية، تبقى سرعة التنفيذ وتطوير منشآت المعالجة والنقل عوامل حاسمة لتحويل الموارد المهدورة إلى طاقة قابلة للاستخدام وتقليل الأعباء المالية.

حيث أن قطاع الطاقة العراقي واجه ضغوطاً خلال الفترة الماضية، مع تراجع إنتاج الغاز الخام لدى شركة غاز الجنوب من نحو 1.2 مليار قدم مكعبة يومياً قبل الاضطرابات إلى قرابة 400 مليون قدم مكعبة في أبريل، بالتزامن مع انخفاض واردات الغاز الإيراني إلى نحو خمسة ملايين متر مكعب يومياً في مارس، قبل ارتفاعها إلى قرابة 20 مليون متر مكعب يومياً في يوليو، مقابل احتياجات تعاقدية تصل إلى 50 مليون متر مكعب خلال ذروة الطلب.

وتبرز أهمية هذه الأرقام في ظل استهلاك العراق نحو 23 مليار متر مكعب من الغاز خلال عام 2025، وفق تقديرات بحثية، ما يعكس اتساع الطلب المحلي وحاجة البلاد إلى تطوير مصادر إنتاج مستقرة تقلل تعرض قطاع الكهرباء لتقلبات الإمدادات الخارجية.

 

وتراهن الحكومة على استثمار الحقول النفطية وتطوير منشآت جمع الغاز ومعالجته بالتعاون مع شركات دولية، من بينها «توتال إنرجيز» الفرنسية و«كونوكو فيليبس» الأميركية. وتشمل الخطط زيادة إنتاج الغاز المصاحب في الحقول الجنوبية، ومن بينها حقل بن عمر في البصرة، مع وضع جداول زمنية لتطوير العمليات الإنتاجية، والاستفادة من الكميات التي يجري حرقها بدلاً من استثمارها.

وفي إطار هذه التوجهات، تستهدف وزارة النفط إنهاء حرق الغاز المصاحب بحلول نهاية عام 2029، وتوجيه الكميات المستثمرة إلى محطات الكهرباء والصناعات المحلية. غير أن بلوغ هذا الهدف يتطلب تمويلاً كافياً، وإنجاز منشآت المعالجة، وتوسيع شبكات النقل، وضمان وصول الغاز المنتج فعلياً إلى المستهلكين.

وفي تصريح تابعته «العالم»، أوضح الخبير في مجال الطاقة كوفند شيرواني أن العراق يمتلك إمكانات واسعة لاستثمار الغاز غير المستغل، مشيراً إلى تقديرات منسوبة إلى البنك الدولي تفيد بحرق نحو 24 مليار متر مكعب من الغاز خلال عام 2025، مقابل استيراد قرابة ستة مليارات متر مكعب من إيران في العام نفسه.

وتشير هذه المقارنة إلى حجم الفرص الضائعة جراء تأخر جمع الغاز ومعالجته، إذ تتحمل الدولة تكاليف الاستيراد في الوقت الذي تُهدر فيه كميات كبيرة من مورد محلي يمكن أن يسهم في تلبية احتياجات الطاقة. وأوضح شيرواني أن مشروع «توتال إنرجيز»، الذي يستهدف معالجة 600 مليون قدم مكعبة قياسية يومياً عند اكتمال مرحلتيه، يمتلك طاقة تصميمية تعادل نحو 6.2 مليارات متر مكعب سنوياً، وهي كمية تقارب حجم واردات عام 2025، من دون أن يعني ذلك بالضرورة إنتاج الكمية نفسها من الغاز الجاهز للاستهلاك.

ورصدت «العالم» أن الاستفادة الاقتصادية من المشاريع الجديدة لا تُقاس بالطاقة التصميمية أو قيمة العقود وحدها، بل بكمية الغاز التي تدخل الخدمة فعلياً، ومدى مساهمتها في تلبية احتياجات محطات الكهرباء وتقليل الاستيراد، فضلاً عن إمكانية توفير المواد الأولية للصناعات البتروكيميائية والأسمدة والحد من الأضرار البيئية الناجمة عن الحرق.

من جانبها، قالت عضو لجنة النفط والغاز النيابية حوراء عزيز الموسوي إن خسائر حرق الغاز المصاحب تُقدّر بما يتراوح بين مليار وأربعة مليارات دولار سنوياً، مشيرة إلى ارتفاع نسبة استثمار الغاز من نحو 51–53 بالمئة إلى ما يتراوح بين 65 و70 بالمئة، رغم استمرار الحاجة إلى استثمارات إضافية لاستكمال المشاريع وتوسيع قدرات المعالجة.

وأكدت الموسوي أن تقلبات إنتاج النفط واضطراب الإمدادات الإقليمية يبرزان ضرورة تنويع مصادر الغاز، والتوسع في تطوير حقول الغاز الحر، وعدم الاعتماد بصورة كبيرة على الغاز المصاحب المرتبط بمستويات استخراج الخام.

وبحسب ما رصدته «العالم»، فإن تحقيق الاكتفاء الذاتي يحتاج إلى جداول زمنية واضحة وملزمة، ومتابعة نسب الإنجاز، وتأمين التمويل اللازم، وربط منشآت الإنتاج والمعالجة بشبكات نقل قادرة على تلبية الطلب. كما يتطلب الأمر رقابة على تنفيذ الالتزامات الحكومية والاستثمارية لضمان دخول المشاريع الخدمة في مواعيدها.

وبذلك، لا تقتصر أهمية استثمارات الغاز على خفض فاتورة الاستيراد، بل تمتد إلى تعزيز أمن الطاقة وتخفيف الضغوط عن الموازنة ودعم الصناعة المحلية. ويبقى الاختبار الحقيقي أمام العراق هو تحويل خطط الاستثمار إلى إمدادات فعلية ومستقرة، تقلل الهدر وتدعم الكهرباء وتمنح الاقتصاد قدرة أكبر على مواجهة اضطرابات سوق الطاقة.

اترك تعليق

يجب ان تسجل الدخول لكي تتمكن من إضافة التعليقات

عاجل !!