أنفاق سنجار في عهدة الجيش.. بغداد توسّع سلطة الدولة وتختبر نهاية نفوذ السلاح خارج المؤسسات

هيئة التحريرمنذ 30 دقيقةآخر تحديث :
أنفاق سنجار في عهدة الجيش.. بغداد توسّع سلطة الدولة وتختبر نهاية نفوذ السلاح خارج المؤسسات

بغداد – العالم

تدخل سنجار مرحلة جديدة من إعادة ترتيب المشهد الأمني مع تسلّم القوات العراقية الأنفاق العسكرية التي كانت تستخدمها أذرع مرتبطة بحزب العمال الكردستاني، في خطوة تتجاوز السيطرة على منشآت تحت الأرض إلى إعادة وضع البنية العسكرية التي خلفتها سنوات الصراع تحت مسؤولية الدولة العراقية، وفتح ملف أوسع يتعلق بمستقبل الأمن في المنطقة وحدود نفوذ الجماعات المسلحة فيها.

وبحسب المعلومات التي تابعتها «العالم»، بدأت القوات العراقية عمليات تفتيش وتمشيط داخل شبكة الأنفاق، بهدف تحديد طبيعة استخدامها ومحتوياتها والتأكد من عدم وجود أسلحة أو معدات أو ممرات ومنشآت مرتبطة بها. وتبدو هذه الإجراءات جزءاً من عملية أمنية أوسع، إذ إن تسلّم المواقع لا يعني تلقائياً انتهاء المخاطر المرتبطة بها، خصوصاً في منطقة جبلية معقدة شهدت نشاطاً مسلحاً لسنوات طويلة.

وتأتي الخطوة بعد إعلان فك الارتباط العسكري لوحدات «اليبشة» في سنجار، ودمج عناصرها ضمن المؤسسات الرسمية العراقية، بما ينقل المسؤولية الأمنية بصورة أكبر إلى القوات الحكومية. ويمثل ذلك تحولاً مهماً في طبيعة التعامل مع المنطقة، بعدما أصبحت سنجار خلال السنوات الماضية واحدة من أكثر المناطق تعقيداً في محافظة نينوى، نتيجة تداخل النفوذ الأمني والسياسي وتعدد القوى الموجودة على الأرض.

ورصدت «العالم» أن ملف الأنفاق يرتبط بصورة مباشرة بمشروع حصر السلاح بيد الدولة الذي تعمل الحكومة على دفعه في مناطق مختلفة من البلاد. غير أن خصوصية سنجار تكمن في أن إعادة فرض سلطة الدولة فيها لا تتعلق بالسلاح وحده، وإنما بإعادة بناء منظومة أمنية وإدارية قادرة على منع عودة تعدد مراكز القرار، وضمان أن تكون المؤسسات الاتحادية صاحبة المسؤولية النهائية عن الأمن.

وتشير إفادات عسكرية إلى أن الأنفاق كانت تستخدم لأغراض عسكرية وتنظيمية، من بينها تخزين المعدات والأسلحة وعقد الاجتماعات وتوفير مواقع محصنة للعناصر المسلحة. ولذلك تتعامل القوات العراقية معها بحذر، خصوصاً مع احتمال وجود ممرات فرعية أو مخلفات عسكرية ومواد متفجرة. ومن المقرر أن يتحدد مصير هذه المنشآت بعد انتهاء عمليات التقييم الأمني، سواء بالإبقاء على بعضها أو إغلاقها أو إزالتها إذا ثبت أنها تشكل خطراً على السكان والمنطقة.

لكن البعد الأهم في التطور لا يرتبط بالأنفاق نفسها، بل بالرسالة السياسية التي يحملها تسلّم الجيش لهذه المواقع. فسنجار ظلت لسنوات نموذجاً لتداخل الملفات المحلية والإقليمية، وتحوّلت بعد اجتياح تنظيم «داعش» للمنطقة عام 2014 إلى ساحة نفوذ لقوى متعددة، الأمر الذي جعل استعادة سلطة الدولة فيها أكثر تعقيداً من مجرد انتشار عسكري.

ولهذا فإن نجاح الترتيبات الجديدة سيقاس بمدى قدرة بغداد على تثبيت وجود المؤسسات الرسمية، وليس فقط استلام المواقع التي تركتها الجماعات المسلحة. فالدولة تحتاج إلى استكمال البنية الأمنية والإدارية، وضمان إدارة المنطقة بصورة مستقرة، ومعالجة الملفات العالقة التي ترتبط أيضاً بالعلاقة بين الحكومة الاتحادية وحكومة إقليم كردستان.

ويكتسب هذا المسار بعداً إقليمياً إضافياً في ظل التفاهمات العراقية التركية التي شملت تعزيز سلطة الدولة في سنجار وإنهاء وجود الجماعات المسلحة غير الرسمية، إلى جانب ترتيبات مرتبطة بوجود القوات التركية في شمال العراق. ومن ثم فإن ما يجري في سنجار لا يُقرأ بمعزل عن العلاقة بين بغداد وأنقرة، ولا عن مساعي الحكومة العراقية لتقديم نفسها باعتبارها الطرف القادر على إدارة الملفات الأمنية الحساسة داخل أراضيها.

وفي الوقت نفسه، فإن تسلّم الجيش للأنفاق لا يعني أن جميع التحديات الأمنية قد انتهت. فالخبرة المتراكمة في المنطقة تفرض على القوات العراقية البحث عن أي مواقع أو منشآت أخرى خلفها النشاط المسلح السابق، فضلاً عن ضرورة معالجة البنية التحتية العسكرية التي قد تشكل خطراً على السكان، والتأكد من عدم وجود شبكات أو مخلفات يمكن أن تعيد إنتاج التهديد الأمني.

وتبقى المسألة الأكثر حساسية هي قدرة الدولة على تحويل التفاهمات الأمنية إلى واقع مستدام. فإخراج الجماعات المسلحة من المواقع وتسليم منشآتها خطوة مهمة، لكن تثبيت الأمن يحتاج إلى إدارة موحدة، وانتشار مؤسساتي، وتنسيق واضح بين الأجهزة الاتحادية والسلطات المحلية، فضلاً عن معالجة أسباب التوتر التي جعلت سنجار ساحة صراع ونفوذ خلال السنوات الماضية.

ومن هذه الزاوية، فإن أنفاق سنجار أصبحت رمزاً لمرحلة أوسع في السياسة الأمنية العراقية: مرحلة تحاول فيها بغداد استعادة المواقع والبنى التي كانت خارج سيطرة الدولة، وتحويلها من أدوات نفوذ مسلح إلى ملف أمني تديره المؤسسات الرسمية.

ويبقى الاختبار الحقيقي أمام الحكومة في الخطوة التالية: هل تستطيع تحويل تسلّم الأنفاق والمواقع العسكرية إلى تثبيت دائم لسلطة الدولة في سنجار، وإنهاء تعدد مراكز القرار الأمني، وفتح الطريق أمام استقرار المنطقة، أم أن تعقيدات النفوذ المحلي والإقليمي ستعيد إنتاج المشهد بصيغ جديدة؟

اترك تعليق

يجب ان تسجل الدخول لكي تتمكن من إضافة التعليقات

عاجل !!